التيار الجهادي بالمغرب النشأة والتطور والمال: بعض من المسكوت عنه

كان المغرب ولا يزال يعيش شبه مغلق عما يقع في المشرق الإسلامي من فتن وقلاقل، ربما لتوحد مؤسسته الرسمية تحت إطار محدد حتى بعد دخول الاستعمار الفرنسي والاسباني كانت المقاومة تستمد شرعيتها من السلطان باعتباره أمير المؤمنين إلا فيما ندر من حركة هنا وهناك ؟! وفي ظل هذا الوضع كانت السلطة تمثل مظلة شرعية للمغاربة.

ةلكن هذا الأمر سيتغير بعد مرحلة الاستقلال إذ سيتم تحجيم دور العلماء وتهميشهم وإبعادهم عن مراكز القرار وإفساح المجال لحركات ذات توجه فرنكفوني مما أدى لصراع مجتمعي بين ما عرف بصراع المحافظين والحداثيين وبقي الصراع محتدم إلى أن تبلور لدى المحافظين فكرة تأسيس عمل إسلامي ينظم ويرشد ويوجه الناشئة عبر جمعيات ومراكز وحركات كان أبرزها تنظيم الشبيبة الإسلامية بقيادة عبد الكريم مطيع الحمداوي.

وكانت أدبيات الشبيبة تعتمد على كتابات سيد قطب وجماعة الإخوان المسلمين بشكل عام، مما يظهر بشكل جلي أن الفكر الإسلامي بالمغرب اعتمد في تشكل تصوراته على المشارقة بشكل كبير، سارت الشبيبة عاى نحو متصل في عقد جلسات تربوية تستهدف جميع شرائح المجتمع.

لكن التجربة الفتية سرعان ما ستدخل في صراع هدّ أركانها عبر حادثة اغتيال القيادي في الاتحاد الاشتراكي -عمر بن جلون – فاعتقل على إثر ذلك الرجل الثاني في الحركة إبراهيم كمال – وفر المؤسس مطيع ولا يزال إلى وقت الناس هذا .

وبهذا تفرقت الشبيبة وتناثرت لتخرج من عباءتها عدة تيارات تقاطع بعضها مع بعض وتنافر الآخر! والذي يهمنا الآن في دراستنا هو تسليط الضوء على من بلور فكر الشبيبة ليتواءم مع الفكر الجهادي الذي ظهر في مصر وليبيا والحجاز والشام واجتمع وفرخ في أفغانستان بشقيه التنظيري والعملي (المسلح ) فكانت تجربة حركة المجاهدين المغاربة هي الوريث الشرعي للشبيبة ان صح التعبير فاسس عبد العزيز النعماني حركته برفقة النكاوي محمد والدويش وعبد الرزاق سوماح وعدد كبير لا تحضرني اسماؤهم وانشأوا مجلة طلائع السرايا وكانت تصدر بفرنسا وتوزع سرا في المغرب، كما أنشأو لأنفسهم عدة مجموعات واستقطبوا عدد من الشباب والدعاة وكان لهم برنامج خاص واشترو مساكن ومزارع وعددا من الأسلحة.

إلا أن تجربتهم وفي ظل سطوة وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري سرعان ما انفلتت خاصة بعيد موت مؤسس الحركة النعماني فحصل على إثر ذلك تباين في آراء البقية المؤسسة في ماهية العمل المسلح وجدواه . وفي ظل التشرذم الناتج عن انعدام الرؤية الواضحة وبضغط المطاردة الأمنية تلاشى مشروع الحركة وظل طي الكتمان في التأريخ له حتى بعد اعتقال أغلبهم!

وفي تلك الأثناء كان لتقي الدين الهلالي رحمه الله ودعوته السلفية ونشرها في ربوع المغرب دور كبير في إيجاد موطن راسخ وواضح المعالم لسلفية الحجاز (السلفية التقليدية ) في مقابل تيار هلامي ان صح التعبير يرى لنفسه الامتداد الطبيعي لسلفية نجد وابن تيمية وسيد قطب والظواهري ورفاعي سرور وسليمان العلوان وناصر الفهد وعلي الخضير والمقدسي أبو محمد وأبو قتادة الفلسطينـي وأدبيات القاعدة بشكل عام . ومع ذهاب عدد كبير من المغاربة لأفغانستان والبوسنة ورجوعهم فيما بعد تبلور ما يمكن أن نسميه تيار جهادي بالمغرب وكان من أبرز منظريه الميلودي زكرياء وبونيت المراكشي وعبد الكريم الشاذلي وعمر الحدوشي ومحمد الفيزازي وبعض من طلبة العلم والدعاة ممن لم يشتهروا إلا أنه وبالرغم من وجود كل هؤلاء ظل المتأثرون بالفكر الجهادي بالمغرب يستقون أدبياتهم من المشارقة! (القاعدة ومشتقاتها).

لم يعرف المغرب تنظيما جهاديا بالمعنى المتعارف عليه، اللهم مجموعة هنا وهناك سرعان ما تم القبض عليها من طرف الأجهزة الأمنية .. وقد رأيت معظمهم في السجن وسمعت منهم فوجدت أن مشروعهم كان يفتقد للواقعية والتصور العام الصحيح .. وهذا ما يعطي الانطباع أن معظم المغاربة لا يرون العمل المسلح في المغرب وان تركيز أغلبهم ينصب على (الذهاب لمواطن الصراع لا بهدف الأعداد والرجوع لبناء تنظيم في المغرب بل للموت هناك والانسجام مع المجموعات التي ينضمون لها). هذه أبرز ملامح نشأة وتطور التيار الجهادي بالمغرب.

أما المآل فقد كتبت سابقا في مجلة كلمة حق وبينت كيف أثر الربيع العربي على تصورات الجهاديين في المغرب، ووضعهم الآن بالمغرب لا زال على ماكان عليه، استيقاء للأدبيات من المشرق وتشرذم وتشظي مرده بالأساس غياب تنظيم يجمعهم أو علماء وقيادات تحتضنهم فالفيزازي تراجع وأصبح في صف النظام ! والحدوشي انزوى في بيته يعكف على شرح متون علمية بحتة والمراكشي بونيت والميلودي زكرياء توفاهم الله .. والشاذلي عبد الكريم انضم لحزب ديموقراطي بحت ..!؟ والشباب أغلبهم سواء الذين في السجن أو خارجه موزعين بالتبعية هلى من ذكرنا ..!!؟ ويتأثرون بأصالة القول مما يقع في المشرق من تباين واحتراب.

لقد كان بوسع الشباب أن يجتمعوا تحت إطار واضح المعالم إبان هبّة الربيع العربي ليعلنوا عن برنامجهم وتصورهم للدولة والحياة ويظهروا تأصيلهم الشرعي والفكري لعدد من قضايا الساحة من قبيل العمل السياسي .. والمرأة والحريات العامة والفردية .. والحكم والتدبير كما هو الشأن بالنسبة لجماعة للعدل والإحسان .. لكن الشباب حجموا أنفسهم في إطار ضيق محصور في خرجات إحتجاجية تطالب الدولة بإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين في السجون.

وللإنصاف فإن الشباب كانوا يعقدون الآمال على خروج المشايخ المسجونيين ساعتها، لكنهم صدموا بما فعله المشايخ من انقسامهم الذي ذكرناه آنفا فبقي الشباب في تلك الدائرة الضيقة مع حيرة وانسداد الأفق في نظرهم ! ففاقد الشيء لا يعطيه.

عمر بن محمد