احترافية فن التجاهل

د محمد غاني، كاتب- المغرب

ما أشد غباءنا في كثير من الأحيان حين نخوض تجارب تبدو لنا جديدة، في حين ان الحياة عبر التاريخ ملأى بتجارب مماثلة، و سيناريوهات مشابهة يمكن ان نقتبس منها المخارج و الحلول، و ليس ذاك الا بالتوسل بوسيلة مثلى، تجمع بعضا ليس بالهين من قصص و تجارب و سيناريوهات الآخرين.

لكي نوضح الأمر أكثر و نجعله للقارئ أكثر جلاء، كم نجد بين الناس من مغموم، بسبب هجر حبيب أو ابتعاد صديق أو عدم تضامن خليل وقت شدة، الى غير ذلك  من الحالات مما يمكن ان نتصوره من التجارب الحياتية التي قد تبدو أكثر ألما للبعض من بعض آخر، بحسب تعلقات الانسان بالاشياء أو الاشخاص أو الأماني.

تراثنا المكتوب من نثر و شعر، سواء في حضاراتنا العربية أو الاسلامية أو الامازيغية أو غيرها من الحضارات المجاورة أو البعيدة عبر القارات، مليئة بالقصص و الأمثال  التي تلخص حكما و تستلهم عبرا مفيدة أشد ما يكون الإفادة اذا استثمرت بشكل سليم في حيواتنا المعاصرة.

كثير من الناس يشقون على أنفسهم بالتدقيق في صغير الاشياء حين ينبغي التركيز فقط على الأهم، و العكس صحيح، نجد بعضا آخر لا يدقق حين ينبغي التدقيق مما يضع أشخاصا في وضعيات حياتية لا يحسدون عليها، في حين سلك النبيه منهم مسالك الفوز و النجاة.

لذلك نصحنا احد حكماء التاريخ المجهولين قائلا: اذا اردت أن تعيش سعيدا فلا تفسر كل شيء ولا تدقق بكل شيء ولا تحلل كل شيء فان الذين حللوا الالماس وجدوه فحما…

و نفس الأمر هذا، هو ما عاشه السير تشارلز سبنسر تشابلن الممثل الانجليزي الكوميدي الشهير و كاتب السيناريو و المسرحي و المخرج و الملحن الشهير عالميا تحت اسم “شارلي شابلن” حيث خرج بحكمة بليغة مفادها “لكي تعيش، عليك أن تتقن فن التجاهل باحتراف”.

تبقى مسألة في غاية الاهمية ينبغي التنبه اليها، عند سبر اغوار تجارب الآخرين عبر التاريخ، ينبغي استلهام تجارب الناجحين المتفائلين و الهروب من النظرة التشاؤمية مثل قول أبي العلاء المعري:

من كان يطلب من أيامه عجبا   فلي ثمانون عاما لا أرى عجبا

الناس كالناس و الأيام واحدة   و الدهر كالدهر و الدنيا لمن غلبا

أو قول  الكاتب المعروف عبد الرحمن منيف، الذي أصاب في كثير من كتاباته، غيرقولته الموالية هاته” ان أغرب شيء في هذه الحياة يا صاحبي أن الناس السيئين لا يموتون، يعيشون أكثر مما يجل لكي يفسدوا حياة الآخرين”.

فأقل ما يمكن أن نجده في مقابل هذين الرأيين الأخيرين أن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة الا خمسين عاما و هو من خيار الناس عبر التاريخ، و كذا يمكن الاستشهاد ردا على المعري بالعجب العجاب الذي خطته أنامل كبار العلماء و الفلاسفة و الحكماء و الشعراء الكبار عبر التاريخ، أسوق واحدا من ألوف الآلاف المبثوثة في بطون الكتب، منها ابيات لموسى بن علي بن موسى الزرزاري القطبي أوردهما ابن حجر العسقلاني في كتابه النفيس الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة:

تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ   على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تكُ كالدخّان يرفع نفسه          إلى طبقات الجوّ وهو وضيع.