الشباب والإرهاب والمصالح الاقتصادية والسياسية الاستعمارية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من أرسل رحمة للعالمين محمد أشرف المخلوقين وعلىآله وصحبه أجمعين، وبعد:

يقول المثل “التاريخ يعيد نفسه”، ولكن قليل من الناس من يعتبر ويفهم السنن التي يسير عليها هذا الكون، والتي جعلها الله عز وجل للبشرية لكي تقوم بمهمة الاستخلاف والإعمار في أحسن الصور وأكملها، ولكي لايلوم أي إنسان غيره على تقصيره وعدم إدراكه وفهمه لهذه السنن.

وقد ارتأيت في بداية هذه السنة الميلادية الجديدة أن أتكلم بما يحز في نفسي من عدم اعتبارنا نحن المسلمون ولاسيما من ينتسب إلى السلفية الجهادية من كل ما مر بأمتنا الإسلامية من مصائب وبالأخص في هذا القرن الواحد والعشرين فقط ،حتى لا أنبش في التاريخ وأدمي الجروح الغابرة في جسد هذه الأمة في القرن الماضي.

لقد امتاز هذا القرن 21 عن القرن 20 بميزة خاصة يعرفها أغلب المتتبعين الواعين، ويجهلها أغلب الشباب القليل الخبرة والتجربة والوعي، والقليل الصبر، وهي أننا أصبحنا أدوات هدم لأمتنا وأوطاننا في يد الدول الاستعمارية والرأسمالية المتوحشة، أصبحنا بيادق في لعبة الشطرنج ( (pions،نعمل لتحقيق مآربها وغاياتها بمحض إرادتنا وبكل نشاط وحيوية.

وللكلام عن الحاضر والمستقبل لابد للعودة إلى الماضي القريب، ففي القرن الماضي كانت الحرب الأفغانية والاتحاد السوفياتي أنداك، والحرب الباردة والصراع بين القطبين الشرقي والغربي (الاشتراكي والرأسمالي)، فساهم المجاهدون العرب في إسقاط الدب الروسي وتفريق الاتحاد السوفياتي لدويلات لصالح القطب الرأسمالي دون الحصول على شيء على أرض الواقع، أما الأجر والآخرة فهي لله الواحد الأحد لا يعلمها ألا هو، أما المصالح الدنيوية والحياتية حسب الأهداف المسطرة والخطط الموضوعة إن كانت هناك خطط فلم نحقق شيئا، بل دَب الخلاف بين القادة الأفغان على من يدخل كابل الأول ليحكمها قبل سقوط النظام الشيوعي آنداك، مما اضطر المجاهدين العرب إلى الابتعاد عن هذه الفتنة إلى اتجاهات أخرى مثل البوسنة والشيشان والجزائر حتى لا تتلطخ أيديهم بسفك الدم الحرام الذي جاؤوا أصلا للدفاع عنه، وخيرا فعلوا.

أما في البوسنة فقصة أخرى حيث سيبدأ المجاهدون العرب في تأسيس قاعدة للجهاد من البداية، فالبوسنيون كانوا بعيدين بعض الشيء عن الالتزام بتعاليم الدين، فلم تكن المقاومة والجهاد من أولوياتهم حتى احتكوا بالعرب المجاهدين، فساعد المجاهدون العرب في تنظيم كتائب الجهاد البوسنية ، وأحيوا فيهم الغيرة والإنتماء الإسلامي، وأثمرت جهودهم بدحض الصرب عن مواقع كثيرة، بل واصلوا الجهاد حتى استولوا على أراضي جديدة لم تطئها أرجل البوسنيين من قبل، والأكثر من ذلك أنهم دخلوا إلى الأراضي الكرواتية أيضا، وحينها صاح الرئيس الفرنسي ميتران بأعلى صوته بأننا لن نسمح بقيام دولة إسلامية وسط أوروبا، وتتالت الردود والانفعالات فجاءت قرارات °مؤتمر دايتون ° الحاسمة بضرورة طرد المجاهدين العرب من البوسنة، وتولى هذه المهمة الرئيس الراحل بكوفيتش على مضض، فكان الرحيل والفراق من جديد هو الحصيلة التي جناها المجاهدون العرب، فإلى أين يتجهون؟ منهم من رجع إلى أفغانستان حيث ظهرت جماعة طالبان، ومنهم من ذهب إلى الشيشان، ومنهم من رجع إلى وطنه، وكثير توجهوا إلى الجزائر، وسُمح بالبقاء لمن تزوج من بوسنية، لكن الحقد الغربي لم ينساهم، بل طلبت أمريكا بتسليمهم بعد هجومات الحادي من شتنبر 2001، فسلموا كالخراف ليوضعوا في سجون جوانتنامو.

فما هي الحصيلة إذن، حققنا ما يريده الغرب ضد روسيا وكسر شوكتها وسط أو روبا الغربية وتقسيم ما تبقى من المعسكر الشرقي إلى دويلات، ولم نعتبر ونأخذ الدرس من جديد، لأن الذي لا يخطط  لنفسه يُخطط له الآخرون لتحقيق سياساتهم وأهدافهم.

وأعيدت الكرة في سوريا، حيث فتح المجال للشباب المسلم من كل بقاع العالم للجهاد كما وقع في أفغانستان، وجاءت الفتاوى المتتالية من قبل العلماء، فتحمس الشباب وجُعلت تركيا ممرا آمن للمقاتلين كما كانت باكستان في الحرب الأفغانية، لاستقبال المتحمسين من الشباب الغير واعي بأبعاد اللعبة السياسية والاستراتيجية للدول الاستعمارية والرأسمالية المتوحشة، لتدمر حضارة عريقة في التاريخ ومهدا للدولة الإسلامية ،كما دُمرت قبلها حضارة بلاد الرافدين ومهد الدولة الإسلامية، وبين الدمار الأول في العراق، والثاني في الشام عقد من الزمان(10 سنوات) عجاف قُتل خلالها مئات الآلاف، وشردت الملايين ،فأصبحنا نسمع عن التدخل الروسي والأمريكي والحلفاء من الغرب والروافض من إيران والعراق ولبنان والإمارات والسعودية وقطر وتركيا.

وقد عايشنا أحداث سوريا، حيث كان الإخوة يذهبون مجتمعين من بلدانهم لكنهم يفترقون عند الحدود التركية السورية ،فكل يذهب إلى فصيل من المقاتلين حتى لا أذكر الأسماء، فيصبح الإخوة أعداء يقاتلون بعضهم البعض بصيحة الله أكبر،وكما حكى لي بعض العائدين من سوريا في سجن سلا بأنه عايش أخوان شقيقين وقع لهما هذا الحادث،وهذا غيظ من فيض حتى لا أدخل في متاهات التجاوزات الشرعية واستحلال الدماء والأعراض.

فكانت ومازالت الحصيلة تهجير الأهالي بالملايين وفتح أبواب الهجرة إلى الغرب الذي يعاني من مشكلة قلة الإنجاب وتزايد الشيخوخة،فكانت أحسن وسيلة وأسهلها هي استقبال المُهجرين من باب المساعدات الإنسانية،فكانت أهدافه اختيار العدد الكافي من الأطفال لسد الخصاص والنقص عندهم من المواليد الجدد، والنساء الشابات المنجبات،لأن نسائهن لا يردن الإنجاب أو عاجزات عنه ، والكوادر من العقول الشابة التي ستتحمل عبأ العمل وإدارة عجلة الإنتاج، وَوُزعوا على الدول الغربية بنسب مختلفة حسب الطلب .والمُهجرون الآخرون في مخيمات على الحدود التركية والحدود العراقية، ومنهم من وصل إلى بلادنا عن طريق الجارة الجزائر.

وكنا ومازلنا نسمع قبل وبعد إعلان دولة الخلافة أن أمريكا وحلفاؤها يستهدفون المعارضة بضرباتهم الجوية، وكذا الطائرات الروسية وطيران النظام، ولا نعلم عن أي معارضة يتكلمون، المهم أن القوات الأجنبية لا تضرب بعضها البعض، بل تستهدف فقط الشعب السوري بأطفاله ونسائه ورجاله، ثم المسلمين الذين ذهبوا بنية نصرة إخوانهم ضد النظام الظالم.

وحتى تركيا لم تسلم من سياستهم الماكرة المخادعة، فقد حاولوا أن يخلقوا منطقة حدودية بين سوريا وتركيا كوطن للأكراد كما فعلوا في شمال العراق، وطن يجمعون فيه أكراد سوريا والعراق وتركيا وإيران، حتى تزيد الفرقة والتقسيم لبلاد المسلمين كم فعلوا في العراق ويفعلون في ليبيا.

فماذا أصبحنا نسمع الآن؟ وما هو الحل في سوريا؟ في البداية كانوا يطالبون بإزالة النظام الحاكم، ثم بعد ذلك أصبحوا يطالبون بانتخابات رئاسية يحق للرئيس الترشح إليها.والآن بعد إزالة دولة الخلافة البعبع الذي اشتغلوا به لسنوات وحققوا ما يرغبون فيه.

لقد تمت المهمة التي أشعلت الحرب من أجلها بنجاح،وارتاحة الدول الاستعمارية بقتل مئات الآلافمن الشباب المسلم الغيور على دينه وعرضه ،و الذي كان يعد ذخيرة لأمته ووطنه يمكن أن تنتفع بهم دولهم للمشاركة في البناء والتعمير والتطوير لا في الهدم والتخريب والدمار وإشاعة الذعر والإرهاب.

فأصبح التفاوض بين الدول الاستعمارية والرأسمالية المتوحشة على تقسيم الغنائم والمصالح والمراكز الاستراتيجية. فهل من متمعن؟هل فهمتم أيها الشباب ماذا يحاك بكم وبأمتكم وأوطانكم؟ وهل فهمتم ماذا يفعل الغرب الاستعماري بكل من لا يعرف أهدافه ورغباته، إنها المصالح الاقتصادية والسياسية للتحكم بخيرات الشعوب باسم الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، كي ينعم المواطن الغربي بخيرات أمتنا وخيرات الشعوب المسحوقة.

وتعاد الكرة هذه المرة من جديد بإشعال نار الحرب في ليبيا دولة من دول المغرب العربي وهي قريبة من وطننا العزيز وتعد من عمقنا الاستراتيجي القريب، واللعبة واضحة وضوح الشمس، فالمصالح الاقتصادية والسياسة ظاهرة جلية لكل عاقل متتبع، حتى أصبحت الصراعات الاقتصادية تداع على كل القنوات الفضائية بين فرنسا وإيطاليا المستعمر(المستخرب) السابق لليبيا، فظهر التدخل السافر لفرنسا في ليبيا حين تم القبض من طرف الشرطة الحدودية التونسية على الحدود مع ليبيا على سيارات مليئة بالمتفجرات والأسلحة والمال، يستقلها عملاء من المخابرات الفرنسية لتقويض وإفشال معاهدة الصخيرات التي سهر عليها المغرب الذي يعد الأخ الأكبر للأخوة في ليبيا، والذي جمع كل الفرقاء الليبيين على عدة شهور ليجدوا حلا لأنفسهم متوافقين عليه بدون إملاءات من أحد.

هذا الحل حضي بمباركة المبعوث الأممي والاتحاد الأوروبي وجميع الدول، حيث عُد هذا الاتفاق نجاحا باهرا للدبلوماسية المغربية. لكن الدول الاستعمارية والرأسمالية المتوحشة لا تنفك توسوس وتصعد الخلاف على كل الجبهات، فجاءت أمريكا بجنرال متقاعد(بيدق) كما فعلت من قبل في أفغانستان والعراق. هذا الجنرال الذي جاء شؤما على الشعب الليبي لاسيما في الغرب(طرابلس) ونواحيها. فأصبحنا نرى على العلن التدخل الفرنسي والإيطالي والإماراتي والمصري والروسي والأمريكي والإسرائيلي. ولما طلبت السلطة في طرابلس التدخل العسكري التركي من خلال معاهدة بين الطرفين، قامت قيامة هذه الدول للوقوف ضد هذا التدخل وكأنهم يرددون °°حلال علينا حرام عليكم°°.

ونحن نتساءل أليس من حق الإخوة في ليبيا الغرب أن يستنصروا بإخوة لهم في الدين والملة لنصرتهم على العدو الغازي، لاسيما والأحزاب تمالأت عليهم لنهب خيرات بلادهم والتحكم بمصيرها ومستقبلها.

والمغرب كعادته يعمل على تقريب وجهات النظر ويترك دائما بابا مفتوحا وخيط وصل مع كل الفرقاء ليظهر حياده حتى يقبل كوسيط عند الطرفين.

ونتساءل في مصلحة من سيكب هذا التحالف الغربي العربي الإسرائيلي ضد إخوتنا الليبيين، المزيد من القتل والدمار والفرقة وإشعال نار الفتنة في الجوار لا قدر الله وهذا وارد، فالجزائر قريبة ومشاكلها الداخلية التي لم تحل بعد، لأن الدول الاستعمارية والرأسمالية المتوحشة لا تأبه للقوانين ولا للمبادئ، ولا تعرف إلا مصالحها ومصالح شعوبها.

فهل شبابنا واع بكل هذه التحديات من خلال التحالف المقيت والظلم المسلط على شعوبنا المستضعفة في ليبيا وغيرها من الدول الإسلامية.

وهل من عاقل من شبابنا سيقول سأذهب لأقاتل في ليبيا؟ فنقول تقاتل من ومع من؟ وداعش كما استعملوها في سوريا وأقبروها فيها، سمحوا لها أن تدخل إلى ليبيا لتساعدهم أيضا على القتل والتفرقة والدمار، فالأمر لا يخلو أن نُستعمل كبيادقلتنفيد سياسات الغرب الاستعماري الذي لا يحرص على أرواح مواطنينا ولكن على مصالحه الاقتصادية والسياسية ولو دمر كل الدول، فهذا حاله عبر التاريخ، وهذا ما قرأناه عن تاريخه الاستعماري الأسود عبر الحرب العالمية الأولى والثانية وآثارها على شعوبنا المقهورة لاسيما الإسلامية والعربية منها، ومازلنا نعاني من كل سياساته إلى يومنا هذا، فهل من معتبر.

“وتلك الأيام نداولها بين الناس”. الآية.

كتبه: عبد الرزاق سماح

كاتب في الفكر والحركات الإسلامية.