في كشف الأطماع التركية بمنطقة المغرب الكبير

ونحن نتابع مسلسل الحكومة، وتبادل المراكز بين قيس سعيد وراشد الغنوشي ونضال “كفاءات” الأحزاب من أجل انتزاع مكان لهم في الحكومة، وتبادل الشتائم بين فيراج السراج وفيراج حفتر، بين أنصار السيسي ومريدي أردوغان، بين أنصار الديمقراطية الرومانسية وعشاق الدكتاتورية الصارمة.

وبينما نحن منشغلون بهذه المعارك الهامة، تدور على أبوابنا إحدى أكبر حروب القرن : حرب أنابيب النفط والغاز الشريان الحيوي لاقتصاديات أوروبا، روسيا، إيران، آسيا الوسطى،والخليج العربي

لفهم ما يقع منذ عشر سنوات في عالمنا العربي، ومنذ أشهر في محيطنا المباشر، وما يحدث هذه الأيام وما سيحدث في قادم الأشهر :

أولا، إقتصاد أوروبا عمليا يقع تحت رحمة الغاز الروسي، والاقتصاد الروسي يعيش عمليا على تصدير الغاز إلى أوروبا، والحال أن هذه الأخيرة تبحث عن تنويع مصادر التزود بالغاز وتتوجه نحو الطاقات المتجددة؛ وفي المقابل روسيا تريد المحافظة على السوق الأوروبية إقتصاديا، وتريد إستراتيجيا المحافظة على سيطرتها الطاقية على أوروبا.

ثانيا، أوروبا (وطبعا أمريكا) حاولت محاصرة الاحتكار الروسي عبر السيطرة على أوكرانيا أين يمر الأنبوب الروسي نحو أوروبا وحاولت أيضا توفير بدائل للغاز الروسي بإطلاق مشروعين عملاقين:

1 ــ خط أنابيب “نابوكو” مبرمح لنقل الغاز من آسيا الوسطى عبر بحر قزوين ومنه إلى أوروبا عبر تركيا.

2 ــ خط الأنابيب القطري المبرمج ليمر عبر السعودية ثم الأردن، وأخيرا سوريا نحو أوروبا ودائما عبر تركيا؛ ومن جهتها روسيا أنشأت خطوط غاز بديلة عن الأنبوب الذي يمر عبر أوكرانيا وقامت بإسقاط مشروع نابوكو على مراحل؛

أما المشروع القطري التركي فقد أوقفه الشعب السوري بمعية الدب الروسي والثعلب الإيراني.

ثالثا، بسقوط المشروعين (نابوكو وقطر) لم يبق لأوروبا للتخلص من الهيمنة الروسية، سوى حل وحيد وهو التزود من جنوب البحر المتوسط، والخيارات هنا محدودة ومعروفة:

1 ــ خط الأنابيب الإسرائيلي الذي سينقل غاز إسرائيل، وقبرص إلى أوروبا عبر اليونان وإيطاليا، لأنه مكلٌف تقنيا واقتصاديا غير مجدي وتقريبا مستحيل عمليا.

2 ــ خط أنابيب ينطلق من نيجيريا عبر مالي ثم الجزائر ويقطع البحر المتوسط عبر تونس.

3 ــ خط الأنابيب الذي سينقل غاز شرق المتوسط حيث الاكتشافات الحديثة الضخمة ( قبرص، لبنان، فلسطين المحتلة، مصر) عبر مصر ثم ليبيا، نحو أوروبا مباشرة عبر المتوسط أو عبر تونس والمتوسط.

الخلاصة:

* أن تركيا راهنت على أن تكون العقدة المفصلية في سوق الغاز العالمي والممر الرئيسي نحو أوروبا، وخسرت رهانها بخسارة معركة سوريا

* أن أوروبا وأمريكا راهنتا على كسر احتكار روسيا لسوق الغاز، و ستستدير أوروبا حُكمًا نحو مصر وليبيا وتونس بصفتها بلدان المصدر والمعبر الذي ستلجأ إليه لتنويع مصادر طاقتها (النفط والغاز والطاقات المتجددة)

هذه البلدان مرشحة لأن تشكل إلى جانب الجزائر la plaque tounrnante لإنتاج ونقل الغاز نحو أوروبا.

* أن روسيا لن تتردد في اقتحام الساحة الليبية (والجزائرية والتونسية ايضا) حتى تحتفظ بحق النظر (droit de regard)  على خط الغاز المستقبلي نحو أوروبا.

* أن تركيا لا يمكن لها أن تتخلى ببساطة عن نفوذها في تونس وخاصة عن مواقعها في ليبيا، عقدة سوق الغاز المستقبلية وإلا فإنها ستنكفئ نهائيا داخل حدودها وستنتهي طموحاتها في أن تصبح دولة اقليمية عظمى.

لهذا، تتدخل في ليبيا كل من أمريكا، الاتحاد الأوروبي، روسيا، إيران، الجزائر، مصر، تركيا، قطر، الإمارات، السعودية وغيرها، للدفاع عن مصالحهم ومصالح شعوبهم.

ولهذا أيضا انتقل مركز ثقل الأزمات الدولية، وتحركات اللاعبين من الشرق حيث حسم الأمر تقريبا نحو الغرب: الجزائر وليبيا وتونس، حيث سيُحسم الأمر قريبا.

…..

رابط صفحة الكاتب صحبي بن فرج على موقع “فيسبوك”:

https://www.facebook.com/sahbi.benfredj