انطباعات عامة عن كتاب: “ابن عربي: سيرته وفكره”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله

هذه انطباعات عامة عن كتاب: “ابن عربي: سيرته وفكره” لكلود عدّاس، ترجمة: د. أحمد الصادقي، وصدر عن بيروت: دار المدار الإسلامي، ط 1، 2014، وجاء في 469 صفحة.

سوسن العتيبي
لطف الله بها وغفر لها

كانت قراءة كتاب “ابن عربي: سيرته وفكره” لعدّاس في شوال 1440هـ، وأتبعته بقراءة كتابها “البيت المحمدي” ثم كتاب والدها “بحر بلا ساحل” ميشيل شودكيفيتش. وقد أخرت التقرير طمعاً في الحصول على نسخة ورقية من كتاب والدها الثاني “ختم الولاية” لمقارنته بكتابها “البيت المحمدي”، لكن الأمر لم يتيسر حتى الآن.

بداية، سيلحظ قارئ مجموع الكتب الثلاثة أن المؤلفة قد تأثرت بوالدها كثيرا، وأن كتابها هذا على كبر حجمه إلا أن كتاب والدها الأقل حجما “بحر بلا ساحل” أجود منه من الناحية العلمية -وسيأتي تقرير عنه إن شاء الله-، لذا قد يستحسن للقارئ أن يقرأ كتاب والدها ثم كتابها هي.

قسّمت المؤلفة الكتاب إلى عشرة فصول فخاتمة.
مصادر ترجمة ابن عربي:
تطرقت المؤلفة لدراسات المستشرقين وغيرهم لابن عربي، وكذا مصادر تحصيل ترجمة ابن عربي، ووضعتها على صنفي:
• صنف ترجم لابن عربي بشكل خاص، وأهمهم:
– “أسين بلاثيوس” الذي اعتمد على بعض أعمال ابن عربي و”نفح الطيب” للمقري، وشذرات الذهب لابن عماد. وقد انتقدت المستشرق “بلاثيوس” وبيّنت أخطاء ترجمته لحياة ومؤلفات ابن عربي، وأن من بعده من الكتاب اكتفوا به مرجعا للكتابة عن ابن عربي، فنقلوا نتائجه بلا تفحص. بالإضافة لكون ترجمة بلاثيوس قد اعتمدت في بعض محطات حياة ابن عربي على ملحق مختصر من “نفح الطيب” غير مدروس ومحقق. وعموم رأي المؤلفة في عمل أسين بلاثيوس: “من الملائم أن نشير إلى أن كتاب حياة ابن عربي لا يرقى إلى القيمة المعطاة له، بل هو أحياناً مشوّه بالأحكام الدينية المسبقة لمؤلفه، وهو أمر تُعلن عنه حقيقة عنوان الكتاب “الإسلام المنصرن”…”.
– عثمان يحيى في كتابه “مؤلفات ابن عربي تاريخها وتصنيفها”، ولكنه ناقص وغير دقيق أيضاً، خصوصا عندما ذكر “الدار البيضاء” التي لم توجد بعد فنسبها للعاصمة المغربية المعروفة اليوم.
• صنف تراجم سير الأولياء، كـ: تذكرة الأولياء للعطار.
هذا الفراغ العلمي يحتاج لسد بكتاب يتحدث عن سيرة “ابن عربي” وهو الذي عمدت لعمله المؤلفة، معتمدة على وصف ابن عربي العابر للزمان والمكان عبر وظيفة “ختم الولاية”.

الفصل الأول: في بلاد المولد
تحدثت عن اسمه ومولده، وبيّنت أن نسبة “ابن عربي” للتفريق بينه وبين “ابن العربي” وذلك بحذف “ال” التعريف. إلا أن القارئة لا تسلّم لها بهذا التمييز، وذلك لوجود تشابه ألقاب لا يؤدي لهذا التمييز، بالإضافة لاستحضار ذلك الزمن الذي فيه تمييز بحسب العرقيات في بلاد الأندلس، وهناك فروق بين: عربي من أصل عربي كابن عربي الحاتمي، وغير عربي من أصول شتى.
أما في فصل الثاني: الموهبة، والمقصود بها: هبة الولاية، ويبدو أن المؤلفة قد حررت كتابها الآخر “البيت المحمدي” لارتكازه على مفهوم “وراثة النبي” عند ابن عربي، فتكون نظرية “الحقيقة المحمدية” تابعة لمفهوم أكبر منها وهو “وراثة الولي للنبي”، وعلى ذلك تتبعت المؤلفة جذور “الحقيقة المحمدية”، ومن ثم أثرها على من جاء بعد ابن عربي.
والسؤال المطروح: هل كل من قال بالحقيقة المحمدية واتبع رؤية ابن عربي واعٍ بالمفهوم الأعم وهو “وراثة الولي للنبي”؟
أما لمعرفة مفهوم “وراثة الولي للنبي” فقد جاءت بعموم ملامحه ثم أحالت إلى كتاب والدها “الولاية والنبوة”، والذي فيه تمييز وراثة ولي عن ولي تبعاً لتميّزه بخصائص النبي الذي ورثه، وبما أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، فإن من يرثه من الأولياء يتبع خصيصته -بحسب فهمهم-.
ثم تطرقت لشيوخه سواء عن طريق السفر الروحي أو المعاينة الحسية في ذات الزمان والمكان.
وهناك قضية “الخضر” في المخيال الصوفي مهما تعددت مدراسه، ومعلوماتي عن صورة الخضر غير معمقة لأحكم، لكن مبدئيا: ربما دلالة الخضر هي لأن موسى عليه السلام أمر باتباعه، لا لأنه هو الأفضل، بل الأفضلية هي لقيمة “الأمر الإلهي”، فلزمة المتابعة لا للأفضلية بل للإرشاد الرباني، إذ الائتمار بأمرة إنسان أمر الله بطاعته لا يعني أنه أفضل من المأمور ولو كان في خصائص أمور الدين ما لم يكن في ذلك بيان تنزيه وتفضيل من الله سبحانه وتعالى. فلا تلازم بين طاعة أمر إنسان وأفضليته، وشواهد هذا كثيرة في الأحكام الشرعية وفي الوقائع التاريخية الدينية.
في ذات الفصل تطرقت المؤلفة لمفهوم “الصحبة” وهو الذي سبق مفهوم “الطرقية” في الممارسة الصوفية، فلم يكن للصحبة من شرط سوى الملازمة والاتباع، وليست كشروط الطرقية الآن. وتعزو المؤلفة الطرقية للتصوف المشرقي، بينما الصحبة المرنة للتصوف الأندلسي.
الفصل الثالث: الاصطفاء
جاء لتبيين دلالة اصطفاء الولي، وابن عربي بشكل خاص بـ”ختم الولاية” ومن خلاله تبيّن لي أن القول الشائع “أفضلية الولي على النبي” والذي يطعن به في التصوف، هو أمر فهم على غير المقصود. فالمقصود من أفضلية الولي على النبي هي أفضلية بالنسبة لذات النبي، الذي يجمع بين وظيفة وحقيقة، فوظيفته التبليغ وحقيقته الولاية، فحقيقة النبي بـ”الولاية” أي أنه من أولياء الله، أفضل من وظيفته بـ”التبليغ”، أي كأنها قسمة بين عبادات ذاتية “ولاية” وعبادات متعدية “الدعوة”. وهذه تخضع بالطبع للأدلة الشرعية ومدى جدوى المفاضلة. فليست قولتهم عن مقام الولاية فوق مقام النبوة تعني مفاضلة بين شخص ولي وشخص نبي، وإنما اجتماع المقامين في ذات النبي.
“فالولاية كما يشرح ابن عربي تضم الرسالة والنبوة؛ فكل نبي هو أيضاً ولي. وفي شخص كل نبي، فالولي هو أفضل من النبي…
فإن التمييز بين “الولاية” و”النبوة” تمييز دقيق ولطيف؛ إذ إن أقصى مرتبة للولاية، مرتبة الأفراد، هو في نظر ابن عربي يحمل اسم النبوّة العامة (يعني ليست نبوة تشريع)”.
ثم تغلغل الحديث في بقية الفصول عن روح ابن عربي المتنقلة في سيرة قلبية روحية أخضعت الزمان والمكان لها، حتى وصل لسر القدر الإلهي في الخليقة وفق الحضرات الثلاث: حضرة النورة كلها خيرات وطاعات، وحضرة السدفة تكاليف فوق الحرام وهي الأكمل (ربما لأنها مقام الإنسان بين الملائكة والشياطين)، وحضرة الظلمة فيها المكروهات والشرور المحضة. ثم تحدثت بتوسع عن “الخرقة” وقيمتها في مقام الولاية ومسالك الأولياء، إذ وظيفتها: ترقية حال المترقي في سيره.
ثم ألحقت في خاتمة الكتاب جدولا زمنيا لحياة ابن عربي، وأتبعته بتشجيرات عن سلاسل شيوخه، حتى سلسلة الخرقة الأكبرية لم تغفلها.

الكتاب جيد جدا، ويستحسن أن يقرأ مع مجموعة كتب والدها وكتابها “البيت المحمدي”

والله تعالى أعلم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رابط صفحة الباحثة السعودية سوسن العتيبي على موقع “فيسبوك”:

https://www.facebook.com/profile.php?id=100031617949207

1 Comment

Click here to post a comment

  • تقرير حسن، بارك الله تعالى فيك.
    ولكن يظهر أن التمايز بين كتاب كلود عداس “ابن عربي سيرته وفكره” وكتاب والدها “بحر بلا ساحل” الذي تقدمينه هنا على أساس أنه أحسن وأجود من كتاب البنت، هو أمر في الواقع غير مسلم به في رأيي، و أيضاً مجانب للصواب. بل ويمكن أن أذهب عكس الاتجاه الذي اخترتيه من أن بداية القراءة تكون بكتاب الوالد ثم البنت، يبدو لي البداية تكون بكتاب البنت ثم بعد ذلك كتاب والدها. والسبب في ذلك أن كتاب “هند”(كلود عداس) مكرس أساسا للسيرة الذاتية للشيخ الأكبر، وهو أول كتاب في الغرب وضّح الاتجاه الصحيح في التعرف على الشيخ الأكبر وفتح للكثير من الباحثين الغربيين وحتى المسلمين الزوايا الصحيحة التي يجب النظر إليها من أجل معرفة من هو ابن عربي حقاً. بينما كتاب والدها “علي” (ميشال شودكيفيدش) جاء ليسلط الضوء على قضية أساسية في حياة ابن عربي وتراثه لطالما تجاهلها الكثير من الباحثين حوله وهي تمسك ابن عربي رحمه الله تعالى ورضي عنه بالشريعة كمرجعية أساسية في تصوفه.
    أما عن تأثرها بوالدها فهذا أمر طبيعي جدا، ذلك أن والدها هو الذي رسم لها المسار الأكبري وأولجها إلى عوالم الشيخ الأكبر، حتى أن عائلة شودكيفيتش معروفة في الأوساط المثقفة الغربية بأنها عائلة أكبرية بامتياز، جزاهم الله تعالى عن الإسلام والمسلمين كل خير.
    وبناء عليه يمكن القول بأننا لسنا أمام مفاضلة بين العملين، بل أمام تكامل بين عملين فهما يكملان بعضهما بعضاً.