ابن تيمية أعقل من الوهابية في الاحتفال بالمولد المبجل

محمد ابن الأزرق الأنجري

ابن تيمية هو أكثر شخصية دينية لم يفهمها محبوها المغالون أو خصومها المفرطون.

فالأولون يستندون إليه في قضايا كثيرة تعمدوا تحريف كلامه حولها، والآخرون اعتمدوا تأويل المغالين في تعظيم الرجل فردوا على ما توهموه من آرائه رحمه الله، فظلم مرتين.

وإذا سألنا الأولين عن موقف الشيخ من الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا: موقفه أن ذلك بدعة ضلالة محرمة يأثم فاعلها أشد الإثم لجرأته على زيادة عبادة لم يشرعها الله.
وهذا هو المشهور نسبته لابن تيمية من قبل محبيه وخصومه على حد سواء، والحق أنه بريئ من ذلك.
لقد تناول رحمه الله المسألة في كتابه : “اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم” الجزء الثاني الصفحة 123 وما بعدها، وهذه خلاصة رأيه:
أولا: الاحتفال بالمولد بدعة من الناحية المبدئية لأنه حسب قوله: ( لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا، ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص).
قلت: وقد قام المقتضي للنهي عن الاحتفال لو كان شرا، وهو أن النصارى كانوا مشهورين بتخليد ميلاد سيدنا المسيح، فأخذ فكرة الاحتفال منهم كان واردا بقوة زمن النبوة.
ومعلوم أن النبي – عليه السلام – أخبر بأنه نهى عن كل ما يؤدي إلى النار والإثم، لكنه لم ينه عن إحياء ميلاده الشريف، وهو ممنوع من تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدل سكوته على الإباحة، بينما أثبتت أدلة عامة وخاصة الاستحباب، وسنذكرها في حينها بإذن الله، فسقط متمسك الإمام في عد الإحياء السنوي بدعة.
ثانيا: رغم أن الاحتفال بدعة، فالفاعلون بنية تعظيم رسول الله يرجى لهم الثواب عند ابن تيمية، فقال رحمه الله: (ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا).
ثم أضاف: ( وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد، والاجتهاد الذين يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول).
وزاد وأكد بعد كلام: (فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد).
وهنا يصعق المتشددون، فالمحتفلون قد ينالون الأجر بنية تعظيم الجناب النبوي على الرغم من أنهم يعبرون عنه بوسيلة مبتدعة، فالعبرة بالنية لا بالعمل عند شيخ الإسلام، أما المحرمون فإنهم يقطعون بأن المحتفل آثم لا محالة.
ثالثا: الاحتفال بالمولد بدعة هينة يسيرة ولو كان أصحابها متكاسلين عن الطاعات المشروعة، فهم على حد تعبيره: ( بمنزلة من يحلّي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها، كما جاء في الحديث: «ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم»).
وهذا كلام يغيظ المشدّدين في تحريم الاحتفال، لأنهم يرون كل بدعة بمثابة كبيرة فاحشة.
رابعا: المولد رغم بدعيته، فيه جانب من الخير، وعلى العالم الداعية أن يترك الناس يحتفلون إذا كان عدم احتفالهم سيدفعهم إلى الاشتغال بما هو شر، قال بارك الله فيه: ( واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر من بدعة وغيرها… فعليك – يقصد العالم الواعظ – هنا بأدبين: … الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير، فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه).
قلت: رحمك الله على دقة فقهك ورحمة قلبك، وإن خالفناك في اعتبار المولد بدعة، فقد صفعت المتزمتين الذين يرون الاحتفال منكرا كبيرا لا يجوز تأخير إنكاره دون مراعاة لأحوال عصرهم، ولو فقهوا كلامك لتركوا الناس يحتفلون بما هو عمل صالح مباح مكان جلوسهم في المقاهي أو تسكعهم في الطرقات…
خامسا: المحتفلون خير من المتشددين تاركي الواجبات وسنن النبي من رحمة وحلم وحرص على وحدة الأمة وبعد عن الغيبة والنميمة ونحوهما… قال رحمه الله: (كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروهًا، فالتاركون أيضًا للسنن مذمومون… وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به، ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة… فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية، والمفاسد، بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند الازدحام… فالمراتب ثلاث: … والثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع… وأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدًا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضًا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملًا صالحًا مشروعًا، ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم: كالكفر والكذب والخيانة، والجهل. ويندرج في هذا أنواع كثيرة. فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة: كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها: كأول ليلة من رجب، ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرًا من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته. بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء، زاهدون في جنس عبادة الله: من العلم النافع، والعمل الصالح، أو في أحدهما -لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع، فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع).
إن هذا الكلام الأخير ينزل على المحرمين كالصاعقة، فغالبهم مذمومون بمقياس شيخ الإسلام، لأنهم يشددون في النكير على المحتفلين المعظمين لرسول الله، وحال كثير منهم بعيد كل البعد عن أخلاق المؤمنين وسمتهم ظاهرا وباطنا.
سادسا: لم يصرح الإمام بتحريم الاحتفال، ولا بكونه بدعة ضلالة كما ينسب إليه بعض الكذابين، بل أقواله المتقدمة تدل على أنه مندرج في البدع المكروهة، ويؤكدها قوله في الفتاوى الكبرى (4/ 414): اتِّخَاذُ مَوْسِمٍ غَيْرِ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ، كَبَعْضِ لَيَالِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الَّتِي يُقَالُ إنَّهَا لَيْلَةُ الْمَوْلِدِ، أَوْ بَعْض لَيَالِي رَجَبٍ، أَوْ ثَامِن عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ أَوَّل جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، أَوْ ثَامِن شَوَّالٍ الَّذِي يُسَمِّيه الْجُهَّالُ ” عِيد الْأَبْرَارِ “، فَإِنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحِبَّهَا السَّلَفُ وَلَمْ يَفْعَلُوهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ. هـ

فقصارى الأمر أن الاحتفال بالمولد – عند ابن تيمية – بدعة غير مستحبة لأنها لم تعهد في زمن السلف، وقد أجبنا على هذا في منشور مستقل .
وهو في نظره رحمه الله بدعة مكروهة يؤجر فاعلها تعظيما لرسول الله ومحبة، ولا يأثم المحتفل ما لم يفعل سيئة.

واذكر أن الشيخ كان يواظب على أربعين مرة بين الفجر والصبح : ” يا حي يا قيوم ” دون دليل خاص ، تفهم أنه لا ينكر البدع الحسنة !

فقه ابن تيمية غير فقه الوهابية الدخيل. إنهم يكذبون ولا يدرون مراتب البدع.