دلالة استقبال الملك محمد السادس للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي

يعلم المتتبع للشأن السياسي المغربي أن الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي له تاريخ طويل في النضال من أجل مغرب حداثي ديمقراطي ، وذلك منذ كان مناضلا في صفوف الإتحاد الوطني للقوات الشعبية ومن بعده الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية.
سبق لعبد الرحمان اليوسفي أن حكم عليه بالإعدام أيام الصراع على السلطة بين خصوم الملكية بشكلها التقليداني وبين هذه الأخيرة التي كان يجسد فيها الملك الراحل الحسن الثاني شعار ( أنا الدولة والدولة أنا ).
لعبد الرحمان اليوسفي كاريزما خاصة ووطنية لا يضاهيه فيها أحد من معارضي الملكية بالأمس.
لن أقارن هنا بين الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد رجل الدولة المحنك الذي وضع يده في يد الملكية بعد تخلي حزبه عن الخيار الثوري والمرور بالحزب نحو استراتيجية النضال الديمقراطي ، وبين رفيقه في النضال الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي ، فكلاهما خدم الوطن بعقل الدولة من زاوية المرحلة التي عايش فيها الأحداث والتطورات التي واكبت المغرب بعد الإستقلال السياسي ، ومن طبيعة شخصيته وثقافته النوعية والسياسية التي تؤهله ليكون معارضا ومحبا لوطنه وملكيا من منظوره الإيديولوجي في آن.
عايش عبد الرحمان اليوسفي جل الفترات العصيبة التي عاشها المغرب المعاصر والتي انتهكت فيها الحقوق الإنسانية بدعوى الحفاظ على النظام وعلى استمرارية الدولة.
في التسعينات من القرن الماضي كان عبد الرحمان اليوسفي في فرنسا يعيش بعيدا عن الحزب الذي ساهم في بنائه إلى جنب الرفاق بجهد وتعب وكفاح..نودي عليه ليقود مرحلة حرجة من تاريخ المغرب فلم يتوان ولبى نداء الوطن.
وهكذا وضع يده في يد الملك الراحل الحسن الثاني لتسهيل عملية الإنتقال السلس للملك من ملك يستشعر دنو أجله إلى ملك شاب بحاجة لمساندة قوية من أحزاب موضع ثقة الشعب أنذاك.
هكذا لعب عبد الرحمان اليوسفي دورا طلائعيا في تأمين الإنتقال الديمقراطي مع المعارضة الوطنية التي شاركت في هذا التناوب التوافقي الذي وقع بين المؤسسة الملكية والأحزاب المعارضة.
ساهمت لحظة التناوب التي دامت ما بين ( 1998/2002) في إنقاذ المغرب من السكتة القلبية التي تحسسها الملك الراحل ، بأن أعادت حكومة عبد الرحمان اليوسفي الثقة للمؤسسات وأنعشت الإقتصاد الوطني بمقاربة ماكرو-اقتصادية ساهمت في التنفيس وتخفيض العجز وتحريك العجلة الإقتصادية وتلميع صورة المغرب بالخارج وخلق دينامية جديدة في الحياة السياسية.
بعد الإنتخابات التشريعية لعام 2002 ، كانت الدولة في حاجة لقيادة تكنوقراطية تنكب على تنزيل النموذج التنموي المراد السير وفق استراتيجيته نحو النهوض بالأوضاع الإقتصادية والإجتماعية للمواطنين ، بعد أن ارتأت أن مرحلة التناوب قد استنفذت مرحلتها ، فرحل عبد الرحمان اليوسفي إلى ” كان ” ولسان حاله يلهج بأن المنهجية الديمقراطية لم يتم احترامها – أي اختيار الوزير الاول من الحزب الذي تصدر نتائج الإنتخابات- علما أن دستور ما قبل 2011 لم يكن يتضمن هذا الشرط ولهذا سماها عبد الرحمان اليوسفي بالمنهجية الديمقراطية ولم يسمها بالمقتضى الدستوري.
مرت سنوات ، حكم فيها حزب الإستقلال برئاسة عباس الفاسي ، قبل أن ينفجر الوضع بالبلاد العربية في إطار ما سمي ب”الربيع العربي” ، ويتم بموجب هذا المستجد الذي كانت حركة عشرين فبراير تتزعم حراكه على الصعيد الوطني ، القيام بخطوة ملكية لمراجعة الدستور والتنازل عن بعض الإختصاصات لرئيس الحكومة بعد الدعوة إلى إنتخابات سابقة لأوانها.
في خضم كل هذه الأحداث التي عاشها المغرب عام 2011 وما بعدها ، وبعد وصول الحزب “الإسلامي” إلى الحكومة ، وتذويب جذوة اللهيب التي كانت ترفعها حركة شعبية طموحة إلى التغيير ، كان عبد الرحمان اليوسفي يتتبع الأحداث والتطورات عن قرب ولم يتخلف عن إسداء الرأي والنصيحة، فقنوات التواصل لم تقفل بل ظلت مفتوحة بين القصر وبين هذا الرجل الوطني..بدليل استقباله أكثر من مرة والإلتفاتة الملكية الثانية بزيارته بالمستشفى كما فعل والده أثناء فترة التناوب التوافقي التي تعرض خلالها عبد الرحمان اليوسفي لوعكة صحية جعلته يجري عملية جراحية على مستوى الرأس وجعلت الراحل الحسن الثاني يقوم بزيارة إنسانية له دلالة على مدى الوزن الذي كان يحضاه اليوسفي وما زال.
ظل عبد الرحمان اليوسفي كتوما غير مهضار ، ليس عيي اللسان سليطه ، بل تميزت شخصيته بالحكمة والرزانة والتجرد والزهد في المناصب والتخلي عن حقوقه المستحقة من الدولة ، فحضي باحترام كبير من طرف المؤسسة الملكية ومن طرف المجتمع ، بل ظل تكريمه طقسا متكررا في كل مرة يلتفت الملك إليه ليستقبله أو ليحادثه طويلا بالمقارنة مع غيره من رجالات الدولة.
إن الرسالة السياسية التي ربما أراد الملك بعثها على وجه الدقة لكل القوى الحية ولمن يهمه الأمر من خلال الإستقبال الأخير الذي خصه لعبد الرحمان اليوسفي بمدينة طنجة أثناء حفل الإستقبال لتلقي التهاني والتبريكات بمناسبة عيد العرش الأخير ، هو ضرورة البحث عن كفاءات ورجالات من طينة عبد الرحمان اليوسفي ليكونوا خلفا وقادة للمرحلة المقبلة ، وذلك بناء على مضامين خطاب العرش الأخير الذي كلف فيه رئيس الحكومة لإيجاد كفاءات وأطر تتسم بما يتسم به هذا الرجل من زهد في المناصب وتغليب للمصلحة الوطنية على المصلحة الذاتية ، وتفان وتجرد كبيرين لخدمة الوطن والسير به نحو الأمان والإزدهار في ظل ملكية ترنو بثبات وتؤدة نحو بناء شروط الإنتقال آجلا نحو الملكية البرلمانية.
بقلم : محمد علي لعموري

أضف تعليق

Click here to post a comment