نيتشه حمَّال أوجُه

هناء السعيد. مصر

(محاورات) لا تدري فيه أين الماضي وأين الحاضر، لكنك تدرك أن الإنسان لا يتبدل ولا تتبدل أوجاعه ولا مخاوفه ولا عقده.

وأخيراً تلقيت رسالته بعد شهر من الانتظار، كتب “نيتشه” ( مرحباً، شيطانك المفضل مستعد للقاءك)

علي الفور ذهبت حيث كان، في مكان خاص في خيالي الاقي فيه شياطيني.

فتحت أخته الباب، لم أنظر إليها ووجدت نيتشه يجلس في الشرفة، هزم الضعف بدنه، لكن عقله لا يعرف الهزيمة.

كان وحيداً، لكن من العسير أن تسير وسط زحام أفكاره.

جلست علي كرسي يقابله وكنت أحمل معي عزيز عليه وعلينا، كتابه ( هكذا تكلم زرادشت)، كنت أرجو منه توقيعه الشخصي علي نسختي، حملته تبركا كي تنفتح لي دهاليز عقل الفيلسوف.

نيتشه : تحملين ولدي الحبيب ” زرادشت “، علمت إنكِ تكتبين، إذا لم تكن كتابتك من صلبك، فلن تخلد، خلد ” زرادشت ” لأنه بضعة مني.

المحاورة : انجيلك لا يزالون يترنمون به، وتبقي أنت كالمقدس، حمَّال أوجُه.

نيتشه: كان بإمكاني التقعر كالفلاسفة، لكني حامل مطرقة، لا أبغي سوي الأثر ولو كان موجعا، ولا يؤثر في الناس قدر اللغة والكلمات، وأردت كذلك أن أخاطب كل الإنسانية، فجعلت لغتي مطلقة، تتحمل الصور والتأويلات، لتثيرك الآن وتثير الزمن الآتي، صوري تعكس نفوسهم، ولا يعلم أحد ما في نفسي.

المحاورة : صدقت، من الجرم أن تضع نهاية للامنتناهي، وتضع رؤية واحدة صلبة لمتعدد الزوايا، بل وتكتفي باستعارة هذه الرؤية من أسلافك، تبني حاجز من العزلة مع ما كان مفترض أن يكون دائم الوصل، وضعت كتابك للجميع، والكل سيحمل منه قدر إستيعابه، وأنت بريء من كل التصورات، براءة آله الأديان من الظلم والجور والأمر بالفحش.

نيتشه : كان بإمكاني أن أكون مفتاح إجابة كل سؤال، لكني أنا الحقيقة التي هي مصير الأحياء، وخطواتهم فيها خطأ لا يمكن إصلاحه.

المحاورة : يعجبني رأيك في كتاباتك، لم أشعر لحظة أنه كبر ممقوت.

نيتشه مقاطعا : بل تغريكِ القوة، إرادة القوة هي كل ما يغويك في كتاباتي.

أنا قوي محررة، أنا بشر من نار كما تصفيني.

أكتب لأعلن الحرب، أو لطلب الجهاد علي أرض ليست بأرضي، كي أسلبها ملامحها وأطبع عليها وشمي، كي أنقذها من ضلالها بحقيقتي المقدسة.

المحاورة : خطواتك عظيمة، فما تقييمك أنت لها؟

نيتشه : لقد خطوت الخطوة التي لا رجعة فيها، الإله يفعل والعبيد يقيمون حكمته.

المحاورة : أشعر أن ” لوسالومي” لا تزال حاضرة في نظراتك التي تنتقم من تراب الأرض.

نظر لي بحدة بعينيه الضيقين، شعرت أنه علي وشك أن يلقيني من النافذة.

نيتشه : ” سالومي” لا تحسن التعامل مع الآلهة، فكان مصيرها نارهم تخلد فيها حجم جرمها.

المحاورة: وأنا أقررت بأنها أغبي إمرأة خلقت، تلك التي يحبها إله ولا تسجد له شكراً.

نيتشه: شكراً

المحاورة: وما حالك اليوم ؟!

نيتشه: اليوم أنا أقبض علي مستقبل البشرية، في يدي، اسمي محل تقدير ووكر للتساؤل، وشماعة مناسبة للتهم والطموحات،إله يفعل الخلق ويقولون أمرتنا بهذا.

المحاورة : كفكرة الإنسان الأعلى، التي أساءوا ل.

رد مقاطعا : كل ما أقر به هنا أنني أبغض الضعف، لاني ذقته وتجرعته، وأسعي بكل الطرق للتمرد عليه، الإستثمار في الsuperman لا يعني إغتيال الأدني، قد أوحي. نعم، فدوما هناك من يفكر وهناك من يتحجج لينفذ.

 

المحاورة: من أراه أمامي مستحيل أن يكون مجنون.

نيتشه: من يهاجم العقل ويثور عليه يرونه كذلك، جنوني جزء من تجليات غيب لم يحن وقت تجليه، فلا الناس يحتملوه ولا حتى صاحبه، و ” لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ”

المحاورة ضاحكة : بارك الله فيك أيها القس.

نيتشه : أصدقاء طفولتي كانوا يدعونني القس الصغير، والآن أنا أكثر من يفهمهم، أنا من قتل إلههم الذي كانوا يتاجرون به.

المحاورة: لقد مات الإله.

نيتشه مصافحا. ونحن الذين قتلناه.

لذا أوصيت أن لا يحضروا موتي، حتي لا يخرفوا على رأسي وأنا عاجز عن الرد عليهم، أود يا آنسة ” هنا” أن أموت وثني شريف.

ودخلت أخته كالقدر الأحمق الذي يشبه ديك (ألف ليلية وليلة) الذي يسكت شهرزاد عن الكلام المباح، أمرتني بالانصراف لأنه عليل ولا يحتمل جلسة أطول.

نظر لي ” نيتشه” وقال اذهبي، لقد أخذتي كثيراً من نيتشه، وأنتي تعلمين من هو نيتشه.

إذا وقع لي بخطك علي نسختي من ” هكذا تكلم زرادشت “.

حالا. وقع نيتشه قائلاً ” صدقت من قالت: تزوج فكرة ولا تتزوج إمرأة “.

ذهلت من توقيعه بجمله لي، قال نيتشه : قلتيها لتواسيني في سالومي فأحببت أن أخلدها بيدي كما عشتها بحالي.

لن أسألك اين قرأت جملتي وكيف علمت أنك المقصود.

ضحكنا سوياً وقلنا. لأنك “إله”.

وعدني بلقاء آخر وأكد أنه سيعود في كل زمان. وصالح لكل اوجه المحاورات.

أضف تعليق

Click here to post a comment