عشرون سنة من حكم محمد السادس: مقاربة تأملية

أتذكر جيدا لحظة إذاعة القرآن الكريم على التلفزيون الرسمي دون أن ينتبه الناس إلى أن حدثا جللا قد وقع بالمملكة الشريفة وهي رحيل الملك الحسن الثاني.
ولو أن قناة الجزيرة كانت قد أعلنت خبر الوفاة مبكرا قبل أن يتم إعلان ذلك من طرف محمد بن الحسن ولي عهد المملكة عام 1999.
مات الملك ، عاش الملك ، وتمت البيعة من طرف ممثلي الأمة ورجالات الدولة والأسرة الملكية بحضور إبن عم الملك الملقب بالأمير الأمر الأمير هشام المثير للجدل.
بكى الشعب المغربي ملكا عمر طويلا على كرسي الحكم كملك يحكم ويسود ، وحافظ على ملكه بشراسة وهو الذي تعرض للغذر أكثر من مرة حتى فقد الثقة وقسا قلبه فلم يعد يضع ثقته في أقرب الناس إليه وهو الذي كان يضع مسدسه تحت وسادته حتى يتجنب كل محاولة للغذر أو للقتل.
عاش الحسن الثاني ملكا ومات ملكا فنعاه البعيد قبل القريب ، والخصم قبل الصديق.
وجاءت فترة حكم محمد السادس التي قال عنها الملك الحسن الثاني في إحدى حواراته الأخيرة قبل رحيله أنها لن تكون مهمة سهلة من بعده ولا يجب أن تكون سهلة.
الشعب المغربي أبي وشهم ويحب الملكية ويضعها في مرتبة الشرف ، ورغم مآسي الماضي فقد انتقل الحكم بسلاسة من ملك إلى ملك بفضل الترتيب الذكي للملك الراحل الذي جاء بالمعارضة لتحكم وفق ضوابط الحكم وتصور الملك الراحل للفترة الإنتقالية.
لعب عبد الرحمان اليوسفي هذا الدور باقتدار وجعل الملكية تنتقل إلى الإبن البكر كولي للعهد لتستمر الدولة وتسير المؤسسات سيرها الطبيعي.
بدأت فترة حكم محمد السادس إلى جانب حكومة التناوب التي كانت تجربة رائدة في الوطن العربي ( 1997/2002) ، ثم بدأ مشوار العمل من أجل طي صفحة الماضي الأليم الذي عاشته النخبة وعاشه الشعب في فترات حالكة من تاريخ المغرب بعد الإستقلال. وهكذا تم بجرأة قل نظيرها في الوطن العربي إعتراف الدولة بأخطائها في مجال حقوق الإنسان فتمت المصالحة وإنصاف الضحايا من خلال تفعيل عمل هيئة الإنصاف والمصالحة التي تولى منصب إدارتها الراحل إدريس بنزكري أحد ضحايا الإعتقال القسري.
وبدأت عقب ذلك مشاريع داخل المغرب تنم عن إرادة سياسية فوقية تروم النهوض بأحوال المواطنين ( الشعب ) بعد أن أبان هذا الأخير عن إباء ووفاء للعرش العلوي وللملكية رغم ما حاق به من جور.
أطلقت مبادرة واعدة سميت في حينها بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، جعلت التنمية المستدامة والتنمية البشرية ضمن أولوياتها ، ولعبت مؤسسة محمد الخامس للتضامن دورا مشهودا يعزز الثقة في الدولة ولو بمقاربة محدودة وموسمية.
وجاء رهان تعزيز دور المرأة داخل مؤسسة الزواج بتعويض مدونة الأحوال الشخصية المأسوف عليها لمدونة الأسرة التي حام حولها لغط كبير منذ تقدم كاتب الدولة في حكومة التناوب سعيد السعدي بمشروع إدماج المرأة في التنمية اعترضت عليه القوى المحافظة داخل المجتمع فانقسم بشأنه هذا الأخير إلى فسطاطين منه الرافض ومنه المؤيد خاصة بعد شيطنة مضامين المشروع الواعد ، ولولا تدخل الملك بتشكيل لجنة سهرت على إعداد مشروع المدونة الجديدة لبقينا نجتر استهلاك نفس أحكام المدونة القديمة التي لم تراجع منذ 1992 دون أن تكون لتلك المراجعة فائدة تذكر.
فترة حكم محمد السادس ستعرف أول امتحان بعد تعرض المغرب لضربة إرهابية بعاصمته الإقتصادية شكلت صدمة للمغاربة وللجالس على العرش والتي غيرت وجه المقاربة الأمنية وجعلت المغرب يرتكس نسبيا نحو الوراء فيما يخص ملف حقوق الإنسان وذلك لتقوية جبهته الأمنية وتجفيف منابع الإرهاب بمعالجة دور الصفيح والقضاء بشكل متسلسل على أحزمة الفقر التي يعشش داخلها الفكر المتطرف المكفر للدولة وللمجتمع.
إنكفأت إرادة الدولة في شخص عاهلها إلى الداخل تعمل على تقوية البنيات التحتية وإطلاق مشاريع كبرى منها : توسيع شبكة الطرقات والبنيات التحتية ، وتجويد شبكة المواصلات من محطات للقطار وتتويج العمل بافتتاح القطار فائق السرعة ، وبناء أكبر ميناء بإفريقيا : ميناء طنجة المتوسط، وإنشاء مراكز كبرى وواعدة للطاقة الشمسية ، وتوسيع دائرة المجال الفلاحي وتطويره في إطار ما سمي بالحزام الأخضر..الخ.
كل هذا جعل المغرب بلدا رائدا في أعين المتتبعين ويحضى بالإعجاب من طرف دول الجوار.
وجاءت لحظة مفصلية مع بداية الثورات العربية خرجت فيها حركة عشرين فبراير بالمغرب لترفع شعارات من قبيل : ” الشعب يريد إسقاط الفساد ” و ” الشعب يريد محاسبة الفاسدين ” ومنهم من ذهب بعيدا ورفع شعار ” الشعب يريد إسقاط النظام ” و” الشعب يريد ملكية برلمانية “..
وجاء جواب المؤسسة الملكية سريعا كان بمثابة ثورة على دوغمائية النظام القديم من حيث تقاسم السلطة دستوريا مع رئاسة الحكومة في إطار تعايش سياسي بين المؤسستين مع الإحتفاظ بصلاحيات وازنة لرئيس الدولة كما هو الشأن المعمول به في فرنسا مع اختلاف السياق الثقافي بين البلدين.
هكذا جنب تعديل الدستور عام 2011 و إجراء إنتخابات سابقة لأوانها كل إمكانية لانزلاق المغرب إلى الفوضى والعنف كما حصل في دول عربية مجاورة.
وهكذا صعد الإسلاميون لأول مرة في عهد محمد السادس إلى الحكم إلى جنب المؤسسة الملكية فكان لا بد من احترام إرادة الشعب.
وعلى الصعيد العربي فقد نآى المغرب عن الخوض في قضايا لا تزيده سوى مضيعة للوقت والجهد فحول وجهته نحو القارة التي ينتمي إليها. وهكذا عاد إلى الحضن الإفريقي وانتزع بشراسة مقعده الطبيعي الذي تخلى عنه ذات زمن داخل الإتحاد الإفريقي ، وبذلك يكون قد أحرز تقدما على خصوم وحدته الترابية بعد تثبيت أقدامه داخل الإتحاد وداخل هيئاته.
بالمقابل فشل النموذج التنموي الذي تم إطلاقه منذ عقد ونصف ليكون قاطرة للنهوض بأحوال الساكنة وتقليص نسبة الفقر وضمان العيش الكريم ، مما جعل سؤال الحكامة يطرح بشكل ملح ، ووضع إرادة الدولة في محاسبة من كان وراء فشل النموذج التنموي الذي بدأ واعدا وانتهى بائدا على محك المطلب الشعبي.
فقد ترجم هذا الفشل في ظهور موجة جديدة من الإحتجاجات التي اكتست في جهة الشمال طابعا حادا جعل السلطة تتدخل للحد من تداعياتها حتى حين.
إن اتساع رقعة الفقر والفوارق الطبقية بين قلة تمتلك أغلب الثروة وغالبية مسحوقة تعيش بأفق مسدود وخاصة الشباب جعل هذا الأخير يتوق لركوب أمواج البحر من أجل الهرب من واقع مختنق لا يساعد على بناء مستقبل مضمون لشباب متطلع لحياة أفضل.
إن الإستثمار في البنيان والعمران ليس أهم من الإستثمار في الإنسان هذا الرأسمال البشري الذي يتمتع بالطاقة الخلاقة وبالحيوية ولا يجد من يؤطره ويوجهه ويأخذ بيده ليكون آمنا في وطنه ، هو نفسه تلك الطاقة التي تتحول مع الوقت ؛ الضائع في اليأس ؛ إلى طاقة سلبية يستغلها أعداء الوطن وأعداء الحياة لجعل الشباب قنبلة من الحماس المعكوس الذي يتوجه ضد الدولة وضد المؤسسات وضد مصلحة الوطن. ولعمري هذا ما يضع أمام الدولة والمؤسسة الملكية تحديات يجعل إعادة الثقة في المؤسسات وفي الوطن ضمن الأولويات التي يجب الإشتغال عليها في الأفق المنظور القريب والبعيد مع إعادة النظر في النموذج التنموي المعطوب بطرح بدائل جادة مع ربط المسؤولية بالمحاسبة وخلق فرص تنافسية متاحة على قدم المساواة بين أبناء الوطن الواحد.
بقلم : محمد علي لعموري

أضف تعليق

Click here to post a comment