logo

موقف إسلاميي الخليج من مشاركة المرأة في الحياة السياسية

islamisteegypt3

تستند التيارات السلفية في تضييقها مشاركة المرأة في الحياة العامة على أدلة كثيرة، من بينها حديثان رواهما البخاري في صحيحه. الحديث الأول عن ابن عباس، وفيه يقول: «لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي، فجعلت أهابه، فنزل يوما منزلاً فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال: عائشة وحفصة... ثم قال: كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقاً، من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا»، أما الحديث الثاني فقد رواه أبو بكرة نفيع بن الحارث، قال: «لما بلغ النبيَ صلى الله عليه وسلم أن فارساً ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وهم في تفسيرهم للحديثين لم يتبعوا السياق التاريخي واكتفوا بقبول النص على علته كما هو.

موقف الإخوان

أما الإخوان المسلمون فهم يتخذون موقفاً مبدئياً أكثر مرونة، يناصر حصول المرأة على حقوقها السياسية، ويقبل فقهاً واجتهاداً صاغه علماء معاصرون من داخل الحركة أو من القريبين منها مثل محمد الغزالي. وأصدر الإخوان العام 1994 وثيقة حول «المرأة المسلمة في المجتمع المسلم» تعكس موقفاً وسطياً يقبل مشاركة المرأة السياسية (باستثناء الإمامة الكبرى أي رئاسة الدولة)، ومع ذلك فإن سقف تمثيل النساء منعدم في مجلس شورى الجماعة، بدعوى أن تجربة الاضطهاد المتكرر للجماعة قد أدت إلى تجنب الحركة تقديم رموز من النساء للصفوف الأولى، وحتى قيام الثورة المصرية في 25 يناير (كانون الثاني) العام 2011 لم توجد وجوه نسائية معروفة سياسياً للحركة.

وتوجد فقط «أخوات» فاعلات معروفات داخل دوائر الحركة الإسلامية ولا يمثلن شخصيات عامة. ويشير تاريخ الحركة إلى أن جناح الأخوات المسلمات فيها لم يكن بداية من صنع دعوة حسن البنا، بل كان متبلوراً أصلاً تحت ريادة زينب الغزالي في جمعية السيدات المسلمات، وقد بايعت حسن البنا وانضمت للجماعة وتولت قيادة الأخوات المسلمات في الدعوة. ومن ثم لم تنشئ دعوة الإخوان جناحها النسوي.

الموقف السلفي

اللافت أن قوة التيار السلفي في بعض دول مجلس التعاون تدفع الإخوان إلى تبني مواقف سياسية متشددة ضد الحقوق السياسية للمرأة، كما هي الحال في الكويت والسعودية على سبيل المثال. وقد يفسر ذلك في جزء منه بالحجم النسبي للتيارات وعلاقات القوة بينها، والحجم النسبي للمجتمعات ذاتها وخلفيتها الحضارية والسياق الثقافي الذي تنشط فيه هذه الحركات، وطبيعة النظام السياسي ودرجة انفتاحه. وبدلاً من ترشيد الإخوان للخطاب الإسلامي وجره إلى الوسطية وتفعيله من أجل التغيير الاجتماعي الإيجابي للنهوض بالمرأة، يهبط سقف الاجتهاد ليوافق السقف السلفي.

وإذا كانت الحال السابقة تصف وضع تيارات السلفية والإخوان في العالم العربي بشكل عام، فإن الوضع بالنسبة للإسلاميين في دول الخليج لم يختلف كثيراً. فبالنسبة للإخوان المسلمين في الكويت، فقد أقروا بالفعل حق المرأة في المشاركة السياسية، سواء في الانتخاب أو الترشح لمجلس الأمة، في المقابل رفضت «الحركة السلفية» في الكويت ترشيح المرأة نفسها في الانتخابات، ولكنها لم تعارض مشاركتها في التصويت، تحت مسوغ أن للمرأة حقين: حق الانتخاب وحق الترشيح، والانتخاب وكالة وهذا جائز أما الترشح فلا يقره الإسلام لأنه ولاية. وقد تبنى الموقف ذاته «حزب التحرير الإسلامي» الذي أكد قوامة الرجل استناداً إلى قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: 34)، وأن الإسلام فصل مهمة الرجل والمرأة في الحياة، وأنه إذا سمح للمرأة بعضوية مجلس الأمة انعكس الحال.

إن تصريحات السلفيين السابقة على إقرار مشروع حق المرأة في الانتخاب والترشح كانت شديدة التطرف ضد مشاركة المرأة؛ فعلى سبيل المثال صرح النائب الإسلامي ضيف الله بورمية قائلاً: «سيُرفض هذا المشروع من البرلمان كما رفض في السابق.
        

بلا حق سياسي

ليس المرأة لها حق سياسي في الإسلام، وإنها أخذت حقها كأم ومربية لأجيال المستقبل»، واعتبر المشروع: «وصمة عار على جبين المجلس»، بل سعى إلى توزيع (35) ألف ملصق ونشر (60) لوحة إعلانية في الكويت تحمل شعار ندوته «وفقاً للشريعة الإسلامية ليس للمرأة حقوق سياسية»، وقد شارك في الندوة كل من: وليد الطبطبائي وخالد السلطان وعلي الدقباسي ومفرج نهار والأمين العام لتجمع ثوابت الأمة محمد هايف المطيري وعبدالله عكاش، حيث أجمعوا على ر فض مشاركة المرأة السياسية.

لكن بصفة عامة، فإن الخطاب السلفي في الكويت تمركز، سواء في البرلمان أو في الإعلام أو حتى في خطب الجمعة، حول تطبيق الشريعة الإسلامية، وأسلمة القوانين، ومواجهة مظاهر العلمنة والتغريب، بل رفع مطالب باتجاه فصل الذكور عن الإناث في التعليم الجامعي، واستمرار التحفظ على حق المرأة في الترشح للانتخابات في مجلس الأمة، ولم يتغير هذا الموقف مع موجات الثورات العربية.

تكمن الأزمة هنا في أن التيارات الأكثر تشدداً من المرأة هي الأكثر تأثيراً في الحياة العامة، لأن جهود هذه التيارات لا تقتصر على الكتابات، بل التأثير الأخطر للوسائط السمعية من خطب الجمعة وأشرطة الكاسيت والوسائط المتعددة والتسجيلات الصوتية على مواقع الإنترنت السلفية، وهو ما يخلق ثقافة تكرس دونية المرأة والانتقاص من حقوقها بدعوى منع الفتن، والحفاظ على الأخلاق.

أما موقف السلفية السعودية، فلا يختلف عن المتشددين من سلفية الكويت، بل يفوقه أحياناً، فكتابات الشيخ محمد بن صالح العثيمين -المنتمي إلى الدولة- ترى أن دور المرأة يتمحور حول كونها أماً وزوجة، وأن شغلها للمناصب العامة، أو مشاركتها في الحياة السياسية، تعطيل لوظيفتها الأساسية ومخالف للشرع الذي يوجب مكوثها في المنزل ويحرم اختلاطها بالرجال، ويتعاملون بالقاعدة الفقهية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وتأكيد أن المرأة نصف المجتمع وهي تلد النصف الآخر، وأنها بذلك الأمة بأسرها، وأن أهم واجباتها هي رعاية أسرتها.

وعلى الرغم من أنّ الدعوة السلفية في مملكة البحرين لم تخرج عن الاتجاهات الفكرية المعروفة في الوسط السلفي السعودي، فإن طغيان المسألة الطائفية هناك يجعل من أي تفاصيل يمكن أن تثير خلافات، كالموقف من المرأة مثلاً، تفاصيل غير مهمة بل ثانوية، أو نظرية، حيث إن التيارات السلفية البحرينية تواجه أمراً أكثر تعقيداً، وهو ضرورة تأييد النظام الحاكم في تعامله مع الطموح الشيعي لتغيير قواعد الحكم. وعلى الرغم من وجود محاولات سنية لإحداث اختراق بمنح هذه القضية أولوية، فإنها لدى التيار السلفي.

ما تزال أقل قيمة من سطوة المسألة الطائفية، بل لا تتوانى القوى السنية عن التشكيك في مطالب الإصلاح السياسي والديمقراطية والدعوة إلى حكومات منتخبة، بوصفها محاولة انقلاب على النظام والسمة السنية له، مما يجعل موقف هذه القوى معارضاً لمثل هذه الإصلاحات، ويظل خطاب التيار تجاه المرأة محافظاً، ويفتقر إلى تقديم برامج سياسية واقتصادية وتنموية واضحة في ميدان العمل السياسي والبرلماني.
 خلاصة من بحث أمل صقر 'موقف إسلاميي الخليج من مشاركة المرأة في الحياة السياسية'، ضمن الكتاب 97 (يناير 2015) 'نساء الخليج واليمن جدل الحقوق' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث