logo
Back أنت هنا: مراجعات‬ تبجّح أبي هريرة بإهانة زوجته الصحابية (السذاجة 3)

تبجّح أبي هريرة بإهانة زوجته الصحابية (السذاجة 3)

alanjari

محمد ابن الأزرق الأنجري
أبو هريرة رحمه الله بشر كسائر البشر ، يخطئ وينسى ويعصي ويتوب ، يحقد وينتقم ... لكن موروثنا السني يرفعه إلى مقام الملاك المعصوم ، ويطبع على أفعاله وأقواله ومروياته بطابع القداسة ، فتستمرّ الانحرافات في العقل الإسلامي السني وتصوّراته .

وضعُ أبي هريرة في مقامه اللائق به كإنسان تعتريه كل العيوب ، يجنبنا تلقّي أحاديثه المناقضة للقرآن و"منهاج النبوة" أو العقل السليم والعلم المستقيم ، بالقبول المطلق والتسليم الأحمق .
لأبي هريرة محاسنه الغالبة على مساوئه النادرة ، وفي مروياته الحق والصواب والخطأ والخرافات الفاجرة .
نعرض الكلّ على معايير القرآن والسيرة والعقل والعلم ، فنقبل الموافق المحكم ، ونلقي المنافر المظلم ، وهذا واجب العاقل المسلم .
يعاند المتعصبة للتراث في أن أبا هريرة لم يكن إنسانا ساذجا قابلا للغفلة ، ونُمعِن في تأكيد صدق دعوانا من حيث الجملة ، ولا نقصد – يشهد الله – تحقيره فإنه من الصحابة الجِلَّة.

روايات صحيحة تكشف جانبا من سذاجة أبي هريرة وشخصيته :
عن مُحَمَّدٍ بن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَجِيرًا لِابْنِ عَفَّانَ، وَابْنَةِ غَزْوَانَ عَلَى عُقْبَةِ رِجْلِي وَشَبَعِ بَطْنِي أَوْ قَالَ: بِطَعَامِ بَطْنِي أَخْدِمُهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَأَسُوقُ بِهِمْ إِذَا ارْتَحَلُوا " قَالَ: " فَقَالَتْ يَوْمًا: لَتَرْكَبَنَّهُ قَائِمًا، وَلَتَرِدَنَّهُ حَافِيًا. قَالَ: فَزَوَّجَنِيهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَقُلْتُ: لَتَرِدِنَّهُ حَافِيَةً، وَلَتَرْكَبِنَّهُ وَهُوَ قَائِمٌ " . قَالَ: وَكَانَتْ فِيهِ مُزَاحَةٌ، يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ . ( مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/215) والطبقات الكبرى ط العلمية (4/243) لابن سعد ، من طريقين صحيحين إلى ابن سيرين )
وفي الطبقات الكبرى ط العلمية (4/243) لابن سعد بسند صحيح ومتن فصيح: أَكْرَيْتُ نَفْسِي مِنَ ابْنَةِ غَزْوَانَ عَلَى طَعَامِ بَطْنِي وَعُقْبَةِ رِجْلِي. قَالَ : فَكَانَتْ تُكَلِّفُنِي أَنْ أركب قائما وأن أردي أَوْ أُورَدَ حَافِيًا. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ زَوَّجَنِيهَا اللَّهُ فَكَلَّفْتُهَا أَنْ تَرْكَبَ قَائِمَةً وَأَنْ تَرِدَ أَوْ تُرْدِي حَافِيَةً.
قال الحافظ في "فتح الباري" (9/558) : وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ فِي آخِرِ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة . هـ
قلت : نعم ، أخرج البخاري والترمذي الجزء الأول من القصة المتضمن لتمخّط أبي هريرة في ثوب الكتان ، وحذفا إهانته لزوجه لنكارتها وقبحها ، أما عبد الرزاق وابن سعد فقد رويا القصتين معا ، واكتفينا بالجزء الثاني منهما لأننا تحدثنا عن الجزء الأول مستقلا .
وقال أبو يَزِيد الْمَدِينِيّ : قَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، دُونَ مَقَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَتَبَةٍ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَهْدَى أَبَا هُرَيْرَةَ لِلْإِسْلَامِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ أَبَا هُرَيْرَةَ الْقُرْآنَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي الْخَمِيرَ، وَأَلْبَسَنِي الحبير، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي زَوَّجَنِي بِنْتَ غَزْوَانَ بَعْدَمَا كُنْتُ أَجِيرًا لَهَا بِطَعَامِ بَطْنِي، فَأَرْحَلَتْنِي فَأَرْحَلْتُهَا كَمَا أَرْحَلَتْنِي» ( الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 149) ، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 383) وتاريخ دمشق لابن عساكر (67/ 364) وأمالي مرتضى الزبيدي ص 70 )
قال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (13/ 483) : وإسناده صحيح. هـ
وعَنْ مُضَارِبِ بْنِ حَزْنٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مِنَ اللَّيْلِ إِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ فَأَلْحَقْتُهُ بَعِيرِي ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الْمُكَبِّرُ؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ ، قُلْتُ: مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ: شُكْرًا قُلْتُ: عَلَى مَهْ؟ قَالَ: عَلَى أَنِّي كُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بعُقْبَةِ رِجْلِي وَطَعَامِ بَطْنِي ، فَكَانَ الْقَوْمُ إِذَا رَكِبُوا سُقْتُ لَهُمْ وَإِذَا نَزَلُوا خَدَمْتهم ، فَزَوَّجَنِيهَا اللَّهُ فَهِيَ امْرَأَتِي الْيَوْمَ ، فَأَنَا إِذَا رَكِبَ الْقَوْمُ رَكِبْتُ وإذا نزلوا خُدِمْت . ( مصنف ابن أبي شيبة (5/27) مختصرا ، وصحيح ابن حبان (16/100) وحلية الأولياء 1/380، وتاريخ دمشق لابن عساكر (67/365) تاما ) .
صححه الحافظ في الإصابة، والألباني في "صحيح موارد الظمآن" (2/384) ، و"التعليقات الحسان" (9/141) والشنقيطي في "كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (1/ 446) .
وعن أبي يونس عن أبي هريرة أنه صلى بالناس يوما ، فلما سلم رفع صوته فقال : الحمد لله الذي جعل الدين قواما ، وجعل أبا هريرة إماما ، بعد أن كان أجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله . ( حلية الأولياء 1/379 ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 4/1891 لأبي نعيم، وتاريخ دمشق لابن عساكر (67/ 365)
وعَنْ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا ( لابن عفان ) وَابْنَةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وَعُقْبَةِ رِجْلِي، أَحْدُو بِهِمْ إِذَا رَكِبُوا، وَأَحْتَطِبُ إِذَا نَزَلُوا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا، وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا» (الطبقات الكبرى ط العلمية (4/ 243) لابن سعد ، وسنن ابن ماجه ح وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/379) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 4/1890 ، وسنن البيهقي الكبرى 6/199 وشعب الإيمان 6/318 والسنن الصغير له 2/321 ، وما بين القوسين من كتب البيهقي ) وصححه الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (3/76) ، والأرنؤوط في التعليق على سنن ابن ماجه .

تفصيل القصّة :
رافق أبو هريرة سيدنا عثمان بن عفان في سفر ، بدليل قوله في روايتي ابن سيرين وحيان بن بسطام : ( كُنْتُ أَجِيرًا لِابْنِ عَفَّانَ، وَابْنَةِ غَزْوَانَ ) ، فكانت مهمته هي خدمة زوجه ابنة غزوان الحسيبة النسيبة .
فكان يسوق بها الجَمل ويحدو / يغني أناشيد المسافرين ، ويحطب لها الحطب، ويساعدها في الركوب والنزول، ويورد الجمل مواضع الماء ليشرب.
وكان يفعل ذلك مقابل شيئين :
- ضمان طعام وقوت السفر ، وهو قوله : ( على شبع بطني ) .
- الركوب بالنوبة ، أي بالتناوب على الجمل ، وذاك قوله : ( عقبة رجلي ) .
وحسب أبي هريرة ، فإن ابنة غزوان أمرته مرة أن يركب الجمل قائما ، والقيام هنا للجمل طبعا ، وركوبه في حال القيام صعب متعب للغاية.
كما أنها فرضت عليه أن يذهب إلى موارد الماء حافيا ليورد الجمل ، وهو تعذيب وإيلام وإهانة في أرض صحراء .
لكن أبا هريرة لم يكشف عن سبب هذين الحكمين القاسيين.
فلعلّه ارتكب معها مخالفة شديدة استفزتها وأغضبتها فعاقبته .
والأمانة في الخبر توجب كشف السبب ، خاصّة وأن المرأة صحابية جليلة سبقته للإسلام ، وعربية تنتمي لعائلة الأمير الصحابي عتبة بن غزوان الكرام .
فلا يعقل أن تعذبه بتلك الطريقة إلا إذا استفزّها وأغضبها بخطإ شديد .
هي صحابية مهاجرة ، وهو صحابي متأخر ، فوجب العدل بينهما .
لا نقبل ما فعلت به ، ولكن لا يمكن أن نصدّق كونها فعلت دون سبب معقول في نظرها .
لنمض مع القصة .
دار الزمان دورته ، واستشهد سيدنا عثمان فترملت أزواجه ، ومنهن زوجه التي خدمها أبو هريرة فأهانته لخطإ ارتكبه لكنه أخفاه على عادة البشر.
ثم صار الخادم الدَّوسي مقرّبا من معاوية أول ملوك بني أمية .
وكانت مهمة أبي هريرة هي النيابة عن الأمير الظالم مروان بن الحكم إذا خرج من المدينة.
فكان الدوسي يتولى الشأن السياسي والديني معا في غيبته ، فيسوس ويصلي بالناس في المسجد النبوي على الرغم من وجود من هم أولى منه بالصلاة علما وسابقة ، من هنا نفهم لماذا صلى هو على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، ولم يصلّ عليها غيره كابن أختها عبد الله بن الزبير.
انفتحت خضرة الدنيا الأموية على أبي هريرة الفقير المعدم سابقا ، وصار له قصر منيف بالعقيق المخضر المعشوشب ، وخَدَم ومال وفير .
وعلى الرغم من أنه كان شيخا متزوجا بأم ولده المُحرَّر ، فإنه رغب في ضمِّ بنت غزوان إلى حريمه ، فساعده بنو أمية الذين تكفلوا بأزواج سيدنا عثمان وأولاده باعتبار الخليفة الثالث أمويا من جهة ، ولضمان مصالحهم السياسية من ناحية .
وحين صارت السيدة ابنة غزوان زوجا لأبي هريرة ، انتقم منها بإقراره واعترافه الصريح ، فألزمها بركوب الجمل قائما ، وفرض عليها أن تذهب به إلى مورد الماء حافية .

ومن حقنا أن نسأل :
هل تزوجها أبو هريرة حبا فيها ؟ أم لغرض التشفي والانتقام لما صار شبه أمير ؟
أما الحب فإنه يمنع صاحبه من الانتقام حتى ولو كان فعلها به لما كان أجيرا ظلما وعدوانا .
فلم يبق إلا أنه لم ينس فعلها ، بل كان حاقدا عليها ، يتربّص الفرصة للنيل منها .
يتأكّد ذلك بكثرة تبجحه بالانتقام منها في سفره بل وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولو عرضنا هذه القصة على أطباء النفس لأجمعوا على ترجيح حقده على المسكينة وتربّصه بها للتشفي والانتقام ، مع الفارق بين اللحظتين .
أبو هريرة كان أجيرا حين عاقبته ، أما هي فزوجة حين انتقم .
أبو هريرة رجل ألف القسوة وشظف العيش حياته كلها ، وابنة غزوان ثرية لم تمش حافية طول حياتها حتى ألزمها أبو هريرة ، ولم تركب جملا إلا محمولة في هودجها .
أبو هريرة رجل ، وبنت غزوان امرأة .
بنت غزوان امرأة كبيرة السن ، أرملة مات زوجها خليفة المسلمين قتيلا فكفاها ألما وحسرة وفاجعة .
نعم أيها السادة ،
لم يراع أبو هريرة أنوثتها ولا الزوجية ولا صحبتها وسابقتها ، بل ولا كونها أميرة كانت ذات يوم زوج خليفة راشد ، طالما أظهر الدوسي اليمني حبه له وتوقيره .
فهلا رحمها حتى ولو كانت ظلمته واعتدت عليه .

أوجه السذاجة في القصة:
الوجه الأول :
بكل بساطة وسذاجة يقوم أبو هريرة بإفشاء ظلمه زوجتَه وإهانته لها ، ويكشف عن العقدة التي تشكّلت في نفسيته منذ عاقبته ، فتطلّع للانتقام والتشفي منها لما صار له جاه عند بني أمية .
وأعجب ما في أمره ، أنه يذيع ذلك في السفر والحضر ، ولا يلقي بالا لمسجد رسول الله ، بل وروضته الشريفة حين يحكي سوء معاملته لأهله .
إن الإنسان الفطن النبيه فضلا عن المسلم ، يخفي أخطاءه بكل وسيلة ، وإن حكاها فعل على سبيل الندم والتوبة .
والرجل الشهم إذا أساء لامرأته استحى أن يعرف الناس ما جرى حتى لا تنخرم مروءته عندهم .
وخوارم المروءة التي تجرح عدالة الراوي عند المحدثين ، وصدق الشاهدِ عند الفقهاء هي كل فعل لم تحرّمه الشريعة ، لكنه مستقبح عند الناس ، مستهجن في الأعراف ، معارض للشهامة والشرف .
وما فعله أبو هريرة غفر الله له ليس فعلا مباحا شريعة مستقبحا عادة ، بل هو ظلم فاحش وإثم غليظ ، ولا عذر له مهما كان بريئا حين آذته بنت غزوان .
لا يجوز شرعا وعرفا وعقلا أن يعاقب الرجل زوجته على ظلم ارتكبته في حقه قبل أن تصير تحت عصمته .
فكيف استجاز أبو هريرة لنفسه أن يعاقب زوجه على خطإ قديم ؟
وكيف استحلى إفشاء ذلك أمام الناس الذين لا يعلمون سرّه ؟
إنها السذاجة والغفلة المطبوعتان في شخصيته ، ولا تفسير غير ذلك إلا العناد والمكابرة .
القضية الآن تتعلق بصحابية وصحابي ، فاحكموا بالعدل والإنصاف .

الوجه الثاني :
لنفرض أن بنت غزوان ظلمت أبا هريرة ، فلماذا لم يكشف ذلك قبل أن تصير زوجته ؟
وبأي دين استباح أن ينشر معصية الظلم التي وقعت فيها امرأة قبل تملُّك معاوية بأكثر من ثلاثين سنة ؟
إن المؤمن يستر عيوب الآخرين ولو كانت طريّة ، أما القديمة فينساها ويستهجن كشفها وتعريتها .
أما حين تتحول علاقته بمن ظلمه وعصى ربّه إلى صداقة أو مصاهرة ، فإنه يجتهد في طيّ كل حدث مستهجن ، أما إذا كان ظالمه زوجا له ، فإنه يستحي ويخجل من التذكير والإذاعة .

الوجه الثالث :
كثرة تبجّح أبي هريرة بشكر الله على أن أطعمه الخمير، وألبسه الحبير وجعله إماما وزوّجه بنت غزوان ، سذاجة إضافية تكشف معاناته عقدة الفقر .
و"الحبير" هُوَ الثَّوْبُ الجديد الْمُحَبَّرُ الْمُزَيَّنُ الْمُلَوَّنُ مِنَ التَّحْبِيرِ ، وَهُوَ التَّحْسِينُ .
لقد هداه الله للإسلام قديما ، فلماذا لم يكثر من الشكر إلا حين قرّبه بنو أمية البغاة ؟
وأي فضل في أن يلبس ويأكل الأجود بأموال آتية من معاوية أو مروان الباغيين على مولى المؤمنين علي ؟
لو لم يكن ساذجا لما أكثر من الشكر على أفضال جاءته زمن التأسيس للملك العضوض المنحرف عن جوهر الإسلام .
وبالمناسبة ، فقد كان مروان بن الحكم يحرّض على لعن مولانا علي ويفعله في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم نحفظ لأبي هريرة موقفا مشرّفا وهو نائب مروان ، وهو "أحفظ" الصحابة و"أعلمهم" بالحديث الشريف ، وفيه عشرات الأحاديث المحرّمة لمجرد إذاية مولانا علي بشطر كلمة .

فأي إمامة تلك التي تجعلك تصمت عن الحق ثم تتبجّح بها؟
وأي خير في أموال تأتيك من فاسدين مفسدين تعوقك عن إنكار المنكر بالقول ؟
نعم ، لدينا روايات صحيحة يهدّد فيها أبو هريرة مروانَ بن الحكم بإفشاء الأحاديث في مثالب فسقة بني أمية ، ولكن حين كان يؤذيه مروان في نفسه .
ونشهد له هنا أنه انتفض مرّة للعترة الشريفة ، وذلك حين منعَ مروانُ مولانا الحسين من دفن مولانا الحسن أخيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
تلك الانتفاضة المحدودة تشهد له بالإيمان ، وتغطّي على صمته المطبق بعد ذلك عن كلّ عدوان ، وربما جاءه التهديد أو الإغراء ففضل الحبير والخمير والأرجوان ، ومن يقدر على الاستمرار في معارضة أهل الجبر والطغيان ، فسيدنا طلحة بن عبيد الله قُتل بيد المجرم الغدار مروان ، وحُجر بن عدي قتله معاوية بن أبي سفيان ، وذاك تاريخ بئيس يدمي قلوب أهل الإيمان ، فمن هي بن غزوان ؟

ترجمة زوج أبي هريرة المهانة :
اسمها فاختة وبسرة بنت غزوان ، وكانت زوجة لسيدنا عثمان بن عفان ، تزوجها بعد وفاة بنت رسول الله أم كلثوم ، وهي أم ولده عبد الله الأصغر.
جاء في أنساب الأشراف للبلاذري (5/593) : وخلف أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى فاختة بنت غزوان وَهِيَ بسرة فكان يَقُول: كنت أجير ابْن عَفَّان بطعام بطني وعقبة رجلي أخدمهم ...
وقال الحافظ في "الإصابة" (8/51) : هي أخت عتبة بن غزوان المازني الصحابي المشهور، أمير البصرة. وقصة أبي هريرة معها صحيحة، وكانت قد استأجرته في العهد النبوي، ثم تزوجها بعد ذلك لما كان مروان يستخلفه في إمرة المدينة.
وفي فتح الباري (9/ 565) قال : "بُسْرَةُ" - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - بِنْتُ غَزْوَانَ - بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ - وَهِيَ صَحَابِيَّةٌ أُخْتُ عُتْبَةَ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ .
قلت : أسلم آل غزوان وهاجروا قديما ، وحين توفيت مولاتنا أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تزوج سيدنا عثمان السيدة فاختة بنت غزوان .
فهي صحابية مهاجرة قديمة ، ولولا فضلها ما خلفت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد خدمها أبو هريرة وهي زوج لعثمان ، وكان ذلك زمن النبوة كما جاء في كلام الحافظ ابن حجر .

وقفة مع مغالطات عبد الرحمن المُعلِّمي اليماني :
العاطفيون يقلبون الحقائق ، ويدافعون عن الأشخاص أكثر من مبادئ الدين ، وربما تكاسلوا عن التحقيق فنطقوا بالخيالات والشطحات .
وهذا ما فعله المعلمي اليماني ، وقلّده الغافلون المتعنتون ، وهو يحامي عن أبي هريرة في هذه النازلة .
قال في "الأنوار الكاشفة" (ص: 143) :
( ... فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبي صلى الله عليه وسلم مر ببلاد بني سليم أو قريباً منها، فوجد رفقة راحلين نحو المدينة ، وفيهم بسرة ، فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويعقبوه... وبهذا تبين أن في القصة منقبتين له ، الأولى أن إخدامه لنفسه إنما كان ليبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار الإسلام ... وفي القصة عبرة بالغة، فإنه لما أذل نفسه بخدمة تلك المرأة استعانة على الهجرة في سبيل الله عوضه الله تعالى بأن زوجه إياها تخدمه فوق ما خدمها، ثم كان على طريقته في التواضع والتحديث بالنعمة والاعتبار مع الميل إلى المزاح يذكر هذه القصة ويشير إلى تكليف امرأته بخدمته على نحو ما كانت تكلفه. وقد يكون وقع منه ذلك مرة أو مرتين على سبيل المزاح ومداعبة الأهل وتحقيق العبرة... ) .

اشتمل هذا الكلام العاطفي على جملة مغالطات ، وهي سمة غالبة على كتاب المعلمي رحمه الله:
المغالطة الأولى : زعم أن القصة جرت في طريق هجرة أبي هريرة إلى المدينة في السنة السابعة ، ولو رجع لمصنف عبد الرزاق وطبقات ابن سعد، لوجد تاريخ القصة لما كانت فاختة زوجة لسيدنا عثمان ، أي بعد هجرة أبي هريرة بعامين على الأقل.
المغالطة الثانية : ادعى أنه خدم بنت غزوان ليستعين على الهجرة ، بينما يصرّح أبو هريرة أنه أكرى نفسه لها لأجل شبع بطنه والتناوب على الركوب ، دون أن يحدد وجهة السفر.
المغالطة الثالثة : تخيّل المعلمي أن أبا هريرة أذلّ نفسه لله ، فكافأه بالزواج من مستأجِرته ، وتغافل عن أنه أذلّ نفسه لأجل الطعام والشراب ، وأنه تزوجها مكافأة من بني أمية الذين لم يكونوا يعلمون أنه يقصد الانتقام والتشفي من الماضي .
المغالطة الرابعة : فسّر حكاية أبي هريرة لماضيه وحاضره بالتواضع والتحدّث بنعمة الله عليه .
والواقع أن تلك سذاجة وغفلة كما تقدم ، والمتواضع لا ينتقم بل ينسى ويسامح .
وشكر الله لا يكون بتلك الطريقة الساذجة ، ولا يكون على الانتقام ممن أساءت ثم صارت زوجة .
المغالطة الخامسة:
أما مخرج المزاح فمردود من وجهين :
الأول : لو لم يربط أبو هريرة فعله بزوجه بما فعلت هي به لما كان أجيرا عندها ، لكان احتمال مزاحه مخرجا مقبولا .
فلما تكرّم علينا بربط انتقامه بالقصاص منها ، وقال بالحرف : ( فَكَانَتْ تُكَلِّفُنِي أَنْ أركب قائما وأن أردي أَوْ أُورِدَ حَافِيًا. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ زَوَّجَنِيهَا اللَّهُ فَكَلَّفْتُهَا أَنْ تَرْكَبَ قَائِمَةً وَأَنْ تَرِدَ أَوْ تُرْدِي حَافِيَةً ) ، وأعلن شكر الله على كل ذلك ، فالرجل جادّ لا مازح .
الثاني : لا يجوز تكليف الزوجة بركوب الجمل قائما ، والورود به إلى الماء حافية ، ولو مزاحا ، فإن للمزاح حدا معقولا .
أي مزاح هذا ، لمن يدرك خطورة ركوب الجمل قائما أو الذهاب لموارد الدواب حافيا ؟
هذا المزاح سذاجة في حد ذاتها بل وظلم ، وحكايته أمام الناس في المسجد والطرقات سذاجة زائدة .
أينا يتجرّأ على حكاية مزاح شبيه بهذا مع زوجه ؟
من في الفطناء يرضى أن يقول لأصحابه : كنت أمزح مع زوجتي ، فكلّفتها أن تذهب للدكان المجاور حافية بله موارد الإبل البعيدة المحفوفة طريقها بالأشواك والحصى والشقوق والمخاطر من كل لون ، وحكمت عليها أن تمتطي الحصان بله الجمل قائما ودون مساعدة ، علما أنها امرأة عجوز ؟
قبّحه الله من مزاح ، بل هو السذاجة والظلم عند العقلاء .
وحين قال ابن سيرين رحمه الله عن أبي هريرة : " وكانت فيه مزاحة " ، فإنه قصد أنه كان يحكي لهم مثل هذه الوقائع الساذجة من باب النكتة والمزاح ليضحكهم .
وتلك سذاجة مزيدة ، فإضحاك الأصحاب لا يكون بمثل هذه النكت التي ينبغي أن تبقى سرّا بين الزوجين حتى ولو كانت مزاحا عند وقوعها .

أسئلة محرجة للعاطفيين :
أولا : القصة جمعت بين صحابية وصحابي ، فهل نحكم بينهما بالعدل ؟ أم ننحاز إليه عاطفة لكونه أحد كبار الحفاظ ؟
ثانيا : إذا كانت بنت غزوان صحابية جليلة بدليل إسلامها وهجرتها وزواج سيدنا عثمان منها بعد بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل تجيز عقولكم أنها كلّفت أبا هريرة ركوب الجمل قائما وإيراده الماء حافيا ، ظلما وعدوانا ؟ أم لأنه أغضبها بفعل ما لم يذكره علما أننا ضدّ فعلها مهما بدر منه ؟
ثالثا : لنفرض أنها فعلت ذلك ظلما وعدوانا ، فهل يجوز له أن يقتص منها بعدما صارت زوجته ، أو يعاملها بالمثل مزاحا ؟
رابعا : هل تستسيغون فعله قصاصا أو مزاحا بامرأة عجوز ، وصحابية سبقته للهجرة ، وزوجة الخليفة الثالث ؟
خامسا : لنتخيّل أن ذلك كله مستساغ منه ، فهل من المروءة والفطنة حكاية ما جرى بينه وبين أهله ماضيا وحاضرا في المسجد والطرقات ؟ أم أنه من السذاجة والغفلة وعدم الانتباه للعواقب ؟
سادسا : إذا كان أبو هريرة شخصية تقتص بتلك الطريقة ، وتفشي أسرارها بتلك السذاجة ، وتعامل زوجتها بتلك القسوة ، فكيف ترفعونه لمقام القدوات من كبار الصحابة رضي الله عنهم ؟
سابعا : إذا أقررتم بسذاجة أبي هريرة وغفلته ، فكيف تستبعدون مسارعته لتصديق الأساطير والخرافات الإسرائيلية ؟ وكيف ترفعونه لمصاف الخارقين الذين لا ينسون ولا يغفلون؟
ثامنا : إذا كان فعله وجهره من جملة خوارم المروءة ، فهل من حقنا التوقف في أحاديثه الغريبة ، ودراستها على ضوء الكتاب ومنهاج النبوة وحقائق العلم وبدائه العقل قبل التسليم بها احتياطا للدين وتبرئة له من السذاجات ؟
اللهم ارض عن أبي هريرة وارحمه واغفر له ، وحرّر مقدّسيه من سجنهم النفسي .

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث