logo

اختتام ندوة جهود علماء الأمة في خدمة التصوف الإسلامي

اختتمت جلسات الندوة العلمية الدولية، التي نظمها مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بوجدة التابع للرابطة المحمدية للعلماء، والتي عرفت حضورا متميزا ومن العيار الثقيل، لزمرة من العلماء والجامعيين والأكاديميين من مختلف ربوع العالم الإسلامي، وقد امتدت فعاليات هذا الحدث العلمي أيام 17 و18 و19 ذي القعدة 1433هـ  الموافق لـ 4 و5 و 6 أكتوبر 2012، وشهدت عقد ثمانيَ جلسات علمية، تمحورت حول أربعة محاور رئيسية:

المحور الأول: وتناول إسهام المؤسسات العلمية التليدة، وبعض الأسر العلمية الصوفية العريقة، وكبار علماء الأمة في العالم الإسلامي في نشر قيم التصوف النبيلة، وتجديد قضاياه وحل إشكالاته، والتعريف بأعلامه ورجالاته.

المحور الثاني: واهتم باستعراض جهود القوم في خدمة العلوم الشرعية نقدا وتوجيها، وإحياء وتجديدا، ودراسة وتأليفا.

المحور الثالث: وتناول دور الإشعاع الصوفي الأخلاقي في مد جسور التعارف، وتمتين روابط التواصل الإنساني.

المحور الرابع: وتطرق لعرض قضايا ونماذج وتجارب، وجوانب من الإبداع في التراث الصوفي الإسلامي.

 

أما فيما يخص المحور الأول، فقد بينت مداخلات السادة العلماء فيه، ما سجله تاريخ الإسلام من إسهام العديد من المؤسسات والأسر العلمية العريقة، وأعيان علماء الأمة من خدمة للعلوم الإسلامية عامة، ولعلم التصوف خاصة، مما أماط اللثام وسلط الضوء على عدد من الأدوار الطلائعية التي قام بها هؤلاء العلماء المجددون في رحاب هذه الجامعات، وما أنتجوه من زخم فكري وعطاء معرفي، شكل مفتاحا ومرجعا لبيان حقيقة التصوف باعتباره منهجا تربويا روحيا أصيلا، وثابتا من ثوابت الهُوية الدينية للمسلمين، وأُسا لا يستغنى عنه من أسس العلوم الشرعية.

 

أما فيما يتعلق بالمحور الثاني: فقد تناولت مداخلاته ما كان للصوفية من يد طولى في إنشاء المدارس والربط والزوايا التي ساهمت بدور كبير في تلقين مختلف العلوم النقلية والعقلية، وترسيخ القيم النبيلة في وجدان الأمة، مما جعل المسلمينَ عامتَهم وخاصتَهم، يُقبلون على التصوف مدارسة وممارسة.

 

وقد أكدت مداخلات المحور الثالث على أن التصوف كان وما زالَ ، وسيبقى بحول الله تعالى رافدا من روافد الإبداع الحضاري، ومجالا من مجالات الإشعاع والتلاقح الثقافي، بين مختلف دول العالم الإسلامي، وجسرا للتواصل الإنساني، بما يدعو إليه من قيم المحبة والتعايش والتساكن بين مختلف شعوب العالم. وقد ضرب السادة العلماء أمثلة، واستعرضوا نماذج كثيرة لما قام به الصوفية من إحياء لهذا التواصل وما تركوه من بصمات واضحة لذلك أينما حلوا وارتحلوا، حيث متنوا الروابط، وعززوا الصلات فكان لهم بالغ الأثر في إشاعة الأمن الروحي العام.

 

أما المحور الرابع: فخُصص لما كان للبعد الروحي فضلا عن البعد العلمي والعملي في التصوف، من أثر خلاق جلي، ومحفز ودافع قوي في إبداعات علماء الأمة في مختلف فروع المعرفة شعرا ونثرا، وفلسفة وأدبا وفكرا، فساهمت الحمولة الوجدانية والرمزية للتصوف في إثراء الثقافة الإسلامية وفي طرح قضايا معرفية، والإجابة عن إشكالات منهجية كثيرة، كانت بذلك عاملا من عوامل إغناء الحقل المعرفي الإسلامي في شتى فروعه.

 

ولم يفت السادة الأساتذة التأكيد على أن التصوف لا زال قادرا على حمل هذه الرسالة النبيلة، والقيام بهذه الأدوار العظيمة وبغيرها ...، شريطة تكاثف كل الطاقات وتضافر كل الجهود لتجديد وإحياء علم التصوف وإشاعته كما دعا إليه علماء الأمة منهجا وسلوكا، ولسان حالهم يردد مع الشاعر:

نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا 

لسنا وإن أجدادنا كرمت يوما على الأجداد نتكل

 

 وقد خلص السادة العلماء من خلال مداخلاتهم إلى مجموعة من التوصيات، يمكن إجمالها فيما يلي:

* السعي إلى الإكثار من عقد مثل هذه الندوات العلمية الدولية، لما لها من دور كبير في خلق التواصل والتقارب وتلاقح التجارب، وتقريب الرؤى وتوحيد المفاهيم والتمثلات بين الباحثين المهتمين بالشأن الصوفي في شتى الحقول المعرفية، من دراسات إسلامية وتاريخية وأدبية وفلسفية، وكذا لإظهار الصورة الحقيقية للتصوف وتوضيح مقاصده السامية، بعيدا عن الآراء الجزافية الجاهزة، والأحكام المسبقة المتسرعة من لدن المعتقدين والمنتقدين.

* العمل على خلق تعاون أكبر بين صوفية العالم الإسلامي، وخصوصا بين مراكز البحث العلمي، مثل مركز الإمام الجنيد، وذلك بإنشاء موسوعات علمية في التصوف، وكذلك عبر إنشاء خلايا للتفكير في كيفية العمل على صد الهجمات المتوالية لبعض التيارات المتطرفة الرامية إلى محاربة التصوف والقضاء على تراثه ومحو معالمه.  

* ترشيد استثمار وسائل الاتصال الحديثة من مواقع إلكترونية وقنوات فضائية في نشر الفكر الصوفي الحقيقي، تعريفا بمقاصده وبتاريخه وبأدواره الاجتماعية والعلمية على أوسع نطاق، وبيان حاجة الأمة الإسلامية الملحة لهذا الأمر وفي هذا الوقت بالذات، وإطلاع المهتمين على ما يجد من إصدارات علمية عن المراكز المهتمة بهذا الشأن مثل مركز الإمام الجنيد.

* الدعوة إلى ضرورة استحضار البعد الأخلاقي الصوفي في المناهج والبرامج الدراسية، وفتح وحدات للتكوين والبحث في الشأن الصوفي في الجامعات الإسلامية، وبعث الكراسي العلمية للتصوف في المدارس العتيقة والجامعات العريقة.

* التأكيد على التكامل بين العلوم الإسلامية، ومكانة التصوف المرموقة فيها، مع نبذ خطاب التهوين والتهويل والتفاضل، واختلاق صراع مفتعل بين العلوم الإسلامية.

 

وامتدت بعض التوصيات إلى اقتراح ترسيم هذه الندوة وجعلها ندوة دورية تجرى كل سنة أو سنتين، واقتراح مواضيع للدورات المقبلة لهذه الندوة العلمية الدولية، من قبيل التركيز على دور التصوف في ترسيخ ثقافة السلم وتخليق الحياة العامة وإشاعة الأمن الروحي ومعالجة الآفات الاجتماعية...وغيرها من المواضيع.

 

ولا يفوتني أن أنقل ما سجله الأساتذة في توصياتهم من شكر للقائمين على تنظيم هذه الندوة، وبخاصة الرابطة المحمدية للعلماء في شخص أمينها العام الدكتور أحمد العبادي، ورئيس مركز الإمام الجنيد للدراسات الصوفية المتخصصة: الدكتور إسماعيل راضي، ولكل طاقم اللجنة التنظيمية للندوة إداريين وباحثين، ولكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذا الملتقى العلمي البهيج.

 

 إعداد: د. محمد أمين لغويلي

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث