logo

قراءة نقدية في الدرس الحسني الرمضاني لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

 tawfiq27

الأستاذ محمد أگرام ـ باحث في العلوم الإسلامية والتاريخ
من حسنات الدرس الحسني الرمضاني أنه مجلس علمي مفتوح للمناقشة والمناظرة والاختلاف ولقد كانت أيام وزير الأوقاف السابق عبد الكبير العلوي المدغري، مجالس تعقد بالوزارة بعد كل درس لمناقشة مضامينه، يشارك فيها العلماء المشاركون بالدروس الحسنية، فتكون مناسبة لمزيد الإضاءة والإغناء والتقويم، ولعل اكتواء الوزير التوفيق بلظى مناقشة درسه حينما كان مجرد مشارك في الدروس الحسنية، جعله يصرف النظر عن مثل مجالس المناظرة التي تزيد العلم نماء وصوابا، وقد عنت للمهتمين، ملاحظات علمية وسياسية في غاية الخطورة، حول موضوع ومضمون الدرس الحسني الذي ألقاه السيد التوفيق أمام أمير المومنين، مساء الأحد 2 رمضان 1438 هـ، أردنا إثارتها خصوصا وأنها صادرة عن الوزير الذي يعتبر مؤرخا.

وبعد، فهذه أهم الملاحظات المتعلقة بالجانب العلمي، والعقدي، والهوياتي على حد تعبير السيد الوزير:

1- مما يستوقف المهتم الغيور على مقومات الهوية الدينية للمملكة، تأسيس الوزير درسه عن الهوية الدينية للمملكة، ودور العلماء فيها، على مقولة الباحث الباكستاني المعاصر (من مواليد 1965م)، الذي يشتغل بالبحث في قضايا تاريخ الاجتماع الديني المعاصر التي تخص السياق الهندي والأفغاني، وهو الباحث محمود قاسم زمان، يكتب التوفيق في مفتتح درسه المنشور في البوابة الرسمية لوزارة الأوقاف - ولم ينطق بهذه الجملة في حضرة أمير المومنين مما يطرح عدة تساؤلات عن سبب طيه لهذه الجملة في منطوق الدرس، وإثباتها كتابة في النص المنشور !؟؟ - إذ كتب في النص المنشور: "مولاي أمير المؤمنين، يرى دارسو الإسلام ومن بينهم العالم الهندي محمود قاسم زمان في كتابه "العلماء أوصياء على الأمة" واكتفى في النص المرئي بعبارة "يرى دارسو الإسلام"، ليقفز عن جملة (ومن بينهم... على الأمة). فلماذا يا ترى هذا التراجع عن هذه الجملة عند إلقائه للدرس والاحتفاظ بها في المنشور الرسمي؟؟ (انظر رابط الدرس الحسني في البوابة الرسمية للوزارة http://www.habous.gov.ma/tv/579-1438/5847-2015-07-20-09-13-64.html)

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن أصل كتاب الباحث الباكستاني وليس الهندي، - ويبدو أن صاحب صنعة التاريخ لديه مشكلة مع الأعلام زمانا ومكانا -، كما سنرى هو دراسة باللغة الإنجليزية نشرت منذ سنة 2007، وأعيد طبعها سنة 2010 تحت عنوان:The Ulama in Contemporary Islam: Custodians of Change، والكتاب يتناول بالدراسة دور العلماء في مصر، والسعودية، وباكستان، والهند مع التركيز على الهند وباكستان إبان الاستعمار، ويسائل الكتاب دور العلماء في العصر الحديث والمعاصر، كما يسائل مدى طبيعة نظرتهم إلى أنفسهم في السياق المعاصر، ومدى صوابيتها.

والترجمة السليمة لعنوان الكتاب الذي بنى عليه الوزير درسه، هي: "العلماء في الإسلام المعاصر: أوصياء على التغيير" وليس "العلماء أوصياء على الأمة" كما ادعى ذلك الوزير في مفتتح درسه المكتوب. فالباحث الباكستاني، وليس الهندي، يفحص في كتابه نظرة العلماء لأنفسهم باعتبارهم أوصياء على التغيير، وليس على الأمة كما ادعاه الوزير، وفي ترجمته لعنوان الكتاب باعتباره: "العلماء أوصياء على الأمة" فيه تحريف كبير لعنوان الكتاب، ومحتواه، والتدليس على القارئ والمستمع، الذي قد يتوهم أن المسألة تتصل بتنظير علمي لأحد علماء دار الندوة الكبار بالهند مثلا.

2- غير أن هذا الكلام حول وصاية العلماء على الأمة قد بدا واضحا بين ثنايا وعبارات وجمل وتركيبات يعيها جيدا أهل تحليل الخطاب، فمنطوق الدرس تأصيل للمقولة المفتتح بها "العلماء أوصياء على الأمة"؛ إذ يبدو حضور العلماء في سياق الدرس خارجا عن حركية المجتمع المغربي وتطوره المؤسساتي، الذي يواكب ما استجد من تنظيمات تعمل جميعها كل من موقعها واختصاصها على تأطير المجتمع من أحزاب سياسية ونقابات، ومجتمع مدني، وطرق صوفية، وحقوقيين ومثقفين، وأكاديميين، وغيرهم من القوى التي تتكامل رؤاها وتتقاطع بخصوص المشروع المجتمعي الذي تم تبنيه من خلال إجماعات وتوافقات مواطنة، لها تجليات عدة، يعتبر دستور 2011 أكبرها، فلماذا يرهن التوفيق إمارة المومنين "بحسبة العلماء"؟ يكتب في درسه، ونحن مضطرون في سياق هذا التحليل أن نثبت ما كتبه كتابة بصيغة "يكتب" وما تفوه به نطقا في حضرة أمير المومنين ب "يقول"، وهاتان الوثيقتان: المكتوب والمرئي، ولله الحمد محفوظة في عالمنا الرقمي المعاصر. يكتب التوفيق: "كل هذا التاريخ المغربي الزاخر تحقق تحت رعاية الإمامة العظمى وتحت حسبة العلماء".

فما المقصود بالحسبة في السياق السياسي المغربي المعاصر؛ الذي يمضي في تجربته الديمقراطية، بثبات وأمان، يراكم المكتسبات، ويتجاوز العوائق والمطبات، حيث يترسخ انفصال السلط فيما بين التشريعي والتنفيذي والقضائي. وحيث إن الملك هو أمير المومنين، الحامي لحمى الملة والدين، من خلال المؤسسات التي يسهر على حسن سيره أدائها في تكامل لا وصاية لفئة منها على المجتمع، وكأننا في زمن بنية مجتمعية قروسطية، ما زالت تتعامل في التصنيف المجتمعي باصطلاح، العلماء والعامة، وكأن فئة العلماء فوق المواطنة، أي الوصاية، بيد أن الجميع اليوم مواطنون، متساوون في الحقوق، ولهم اطلاع على المعلومة بشتى الوسائل، بحيث نجد في الدرس، بعدا عن السياق المعاصر.

فالدرس لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة التحولات المؤسسية للمجتمع، ولا إلى طبيعة الدستور الجديد للمملكة، الذي يحدد بوضوح مهام المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية، والتي يرأسها أمير المومنين، فهو حفظه الله الوصي، وليس العكس، فلا يمكن فرض وصاية على إمارة المؤمنين تحت مسمى الحسبة على إمارة المومنين والمجتمع.

3- فلا غرابة إذن في هذا السياق أن نجد الوزير يجعل إمارة المومنين في الرتبة الرابعة والأخيرة عند حديثه عن الاختيارات المحددة للهوية الدينية للمملكة المغربية، إذ يؤخر ما يجب الابتداء به، لأنه الأس والأساس، والركيزة والأصل للفروع الأخرى، يقول التوفيق الوزير ويكتب: "اختار أهل كل بلد ما يناسبهم من تلك الاجتهادات في العقيدة، أي في فهم الإيمان، وفي المذهب، أي في كيفية أداء العبادات وتطبيق المعاملات، وهذا الاختيار هو ما نقصده بالكلام عن الهوية الدينية، ففي هذا السياق أخذ المغاربة بعقيدة أبي الحسن الأشعري التي هي إلى الآن عقيدة أكثر من تسعين بالمائة من المسلمين، اختاروها لاعتدالها في أمرين على الخصوص، هما: إثبات ما ورد في القرآن من صفات الله تعالى دون الخوض في كيفها، الذي يتجاوز إدراك العقول، وقيامها على اعتبار عمل المؤمن تكملة، إذا أقر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا يعني أن الأشعرية لا تجيز التكفير بأي معصية من المعاصي.
وبعد اختيار العقيدة والمذهب أخذ المغاربة بطريقة التزكية كما بينها أهل التصوف، وبموازاة لهذه الاختيارات، بنى المغاربة إمامتهم العظمى في الحكم على البيعة لإمارة المؤمنين، وهي العنصر الرابع في هويتهم" (انظر نص الدرس على الرابط السابق في موقع الوزارة الرسمي).

4- ومن خلال النص سالف الذكر، نورد مؤاخذة متعلقة بدرس التوفيق، مرتبطة بكلامه عن اعتقادات المغاربة في موضوع الصفات، فبعد تأكيده على الاختيار المغربي لآراء المدرسة الأشعرية مدرسة أبي الحسن الأشعري، نجده يقدم رأيا بخصوص الصفات، مفاده إثباتها دون تكييف.

والحال أن هذا الإطلاق هو أقرب إلى اختيار المدرسة الأثرية أو المدرسة الحديثية ومدرسة ما يسمى بالسلف غير الأشاعرة. نعم نجد بعض الأشاعرة المغاربة يقولون بهذا الرأي في إثبات الصفات، أي مع التفويض في كيفها، ولكن معظمهم أخذوا فيها بالتأويل، وهو الخط الذي بدأ مع أوائل الأشاعرة المغاربة كابن العربي، والسلالجي، وابن تومرت، واليفرني، وسيتعزز ويتقوى على يد السنوسي وأتباع مدرسته الذين شكلوا الموقف المغربي الأخير المميز عن الاتجاهات الأخرى، مما جعل الاختيار المغربي يكاد يكون حاسما في القول بالتأويل للصفات الخبرية، وهي موضوع النزاع مع الفئات التي يروم الوزير الرد عليها في درسه.

أما إذا كان الوزير يقصد بالصفات صفات المعاني السبع أو الثمان، فهذه الصفات المثبتة عند الأشاعرة، لا يقولون بالتفويض فيها، وإنما يقولون: لا هي الله ولا هي غير الله.

5- في علاقة ببعض الانحرافات التي سقط فيها بعض المتعصبين من العلماء المغاربة بخصوص قضية التكفير، حيث أثار الوزير في درسه موضوع ابن أبي محلي، باعتباره أشهر شخصية مغربية غالت في موضوع تكفير العوام إذا كانوا جاهلين بأدلة العقائد، حيث قال: "وقد دفعته إلى تلك المواقف المتنطعة دوافع سياسية، لأنه قام ثائرا على الحكام، فانتهى به الأمر قتيلا في معركة مراكش على يد الفقيه الحاحي".

وهذا خطأ كبير لأن هناك شخصيتين في المغرب معروفتين بهذا اللقب -لقب ابن أبي محلي-: الأول هو ابن أبي محلي الثائر، وهو أبو العباس أحمد بن عبد الله السجلماسي الذي ثار على الملك السعدي زيدان، وكان عالما متصوفا وقتل عام 1022هـ قرب مراكش، ومن كتبه "الإصليت الخريت"، و"الحكاية الأدبية والرسالة الطلبية..." يناقش فيها مسألة التبغ، وأما الثاني -وهو الذي كان يدعو إلى تمحيص عقائد العوام- فهو أبو عبد الله محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الملك ابن أبي محلي السجلماسي الذي درس على الشيخ محمد بن ناصر الدرعي، وله عدة مؤلفات من أشهرها: "تقييد في إيمان المقلد"، و"ترجمة الإيمان"، و"إحياء السنن وإماتة البدع"، و"شرح المفيدة في العقائد"، وغيرها. وتوفي عام 1090هـ.
وهو خطأ في التحقيق المتصل بالأعلام؛ إذ خلط الوزير بين علمين مغربيين يشتركان في "ابن أبي محلي"، فالثائر أبو العباس ابن أبي محلي (ت 1022 هـ)، لم يكتب شيئا في هذا الباب، ولا عرف عنه قط خوضه في موضوع تكفير العامة. بينما محمد بن عمر ابن أبي محلي، هو المعني بموضوع التكفير العقدي، ولم يكن رجل سياسة، ولم يثر ولم يقتل في معركة وإنما مات بالطاعون سنة 1090هـ.

كما أن أبا سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي، الذي أورد له التوفيق في علاقة بتكفير العامة، نصا له في درسه، عند معرض حديثه، الذي خلط فيه بين شخصية ابن أبي محلي الثائر، وابن أبي محلي الفقيه العقدي، فوهم التوفيق "المؤرخ" أن ردود أبي سالم العياشي، الذي لم يولد إلا في سنة 1037هـ، تتصل بابن أبي محلي الثائر المتوفى سنة 1022ه !!؟.

فالصواب هو أن أبا سالم العياشي (ت 1090هـ) كان يرد من خلال كتابه الذي طبعته وزارة الأوقاف سنة 2015م !!، والمعنون: "الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف فيما وقع بين فقهاء سجلماسة من الاختلاف، في تكفير من أقر بوحدانية الله وجهل ما له من الأوصاف"، أقول: كان يرد على معاصره محمد بن عمر بن أبي محلي، الذي عُرِف ونُقل عنه الكلام في تكفير العامة، وليس على ابن أبي محلي الثائر، الذي لم يعلم عنه شيء من هذا، وإنما أقام دعواه على ادعاء المهدية. فالكتاب رد على التكفير العقدي لمحمد بن عمر ابن أبي محلي المتوفى سنة 1090هـ !!.

وهذا غلط ولست أدري سبب هذه الاستهانة بمجلس يتصدره أمير المؤمنين، وخاصة أهل العلم والسلطة من المملكة المغربية، ومن خارجها!.

6- هناك معضلة علمية تتصل بالبنية المتصلة بتصور التوفيق لتاريخ العلوم في الإسلام، وذلك من خلال استحكام مفهوم الاحتجاج في تمثلاته لمنطلقات العلم في الإسلام، حيث إنه أقام توازيا غريبا بين النزعات الاحتجاجية العنفية المتطرفة، والطرق الصوفية؛ إذ اعتبرها حركات احتجاجية في أصلها، غير أنها اتجهت إلى السلمية وعدم العنف، وهذا لا يقول به عاقل خَبَرَ منشأ التزكية والأخلاق، والتي تصدر عن وعي بضرورة مجاهدة النفس، ومحاسبتها، وتقويمها من أجل الوفاء، والاضطلاع بأمانة الاستخلاف والأمر الإلهي (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)، وليس مجرد شعار سلمي ملتف على الاحتجاج، يقول الوزير ويكتب: "كان من المؤشرات على التحول المادي السريع المبكر في حياة المسلمين، صوت الصحابي أبي ذر الغفاري الذي كان يحتج بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ ويرى فيه ما يوجب توزيعا ما للثروة، أما المؤشر الآخر على ذلك التحول فيظهر في نشوء تيار الزهد ثم التصوف في الإسلام، وهو تيار، وإن كان يحمل الاحتجاج في معناه، قد جاء سلميا مسالما خاشعا على نقيض تيارات العنف والتطرف. وقد يكون المؤشر الثالث على نفس التطور الاجتماعي، هو نمط الحكم الذي قام في دمشق بمراسيمه وآلياته واحتياطاته لتجنب الظروف التي وقعت فيها اغتيالات الخلفاء". (انظر نص الدرس على الرابط السابق في موقع الوزارة الرسمي).

والله أعلم.

(موقع "الإسلام في المغرب" ينشر المقال النقدي، مع بعض التصرف الطفيف، في سياق الانفتاح على النقد النافع والمؤسس، والله ولي التوفيق).

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث