logo

حرية العقيدة تمكن "ادريس الكنبوري" من نيل شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا

 elganbouri

نال الاستاذ الباحث ادريس الكنبوري شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا في موضوع "حرية العقيدة في اليهودية والمسيحية: دراسة مقارنة في ضوء الفلسفة الدينية في الإسلام"، إثر مناقشة شهدتها اليوم صباحا رحاب كلية الآداب والعلوم الانسانية بمدينة الرباط، وشارك فيها كل من الدكتور "محمد أمين السماعيلي" والدكتورة "كريمة بوعمري" والدكتور "أحمد البوكيلي" والدكتور "عبد المجيد محب" والدكتور "إبراهيم رضا".

ونوه أعضاء اللجنة بموضوع الاطروحة وراهنيتها، والشجاعة التي تحلى بها الباحث لاقتحامه هذا المجال الشائك والمثير للجدل، عبر دراسة مقارنة شملت الديانة اليهودية والمسيحية والاسلام، واعتماده على مصادر ومراجع متنوعة، وبثلاث لغات هي الفرنسية والانجليزية والاسبانية.

وذكر المتدخلون ان شخصية "الكنبوري" كانت حاضرة بقوة في مجريات البحث سواء من خلال كتابته الرصينة والمتينة، باعتباره أديبا وكاتبا صحافيا مدة عقود من الزمن، أو انطلاقا من كونه تمرس على البحث في الشأن الديني والجماعات الاسلامية، أو بصفته مؤلفا نشر العديد من المؤلفات.

وتأتي أهمية هذا البحث الجامعي لارتباطه بقضية حرية العقيدة وهي موضوع الساعة، حيث يؤكد الباحث أنها "تحولت إلى مؤشر لقياس مدى التقدم المجتمعي وتكريس مبادئ حقوق الإنسان على الصعيد الدولي، وإلى نقطة للسجال والجدال بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية، كما انها أصبحت مجالا للنزاع ما بين الخصوصية أو الهوية وبين الكونية أو العالمية".

يقول الكنبوري إن سبب اختياره لهذا الموضوع يرجع إلى عاملين: العامل الأول قلة المراجع والمصادر في المكتبة العربية التي خاضت في مثل هذه القضايا، وخاصة في المكتبة المغربية، إذ الملاحظ أن جل الدراسات المؤلفة في مجال علم مقارنة الأديان والعقائد ما تزال تنحو منحى تقليديا في مقاربة موضوعاتها، وتقف عند المقارنة ما بين المسائل العقدية في الديانات، وهي في الغالب الأعم تكرر قضايا كلامية خاض فيها السابقون.

أما العامل الثاني، فهو إثبات أن المسار الذي قطعته اليهودية والمسيحية عبر التاريخ من أجل التأسيس لحرية العقيدة هو مسار خاص، وأن التجربة التي حصلت في منظومة القيم اليهودية ـ المسيحية ليس من الضروري أن تحصل في المنظومة الفكرية الإسلامية التي لها وضع متميز.

يشير الدكتور الكنبوري إلى أنه شارك في لقاءات ومؤتمرات داخل وخارج المغرب، وكان يلاحظ "بنوع من القلق المعرفي أن الفهم الدقيق للإسلام لا يتأتى إلا من خلال الفهم الدقيق لتحولات الفكر الفلسفي الغربي الحديث، وموقع المسألة الدينية فيه، حتى يمكننا فهم أنفسنا وموقعنا داخل العالم".

وعلى هذا الاساس حاول البرهنة على الإشكالية الرئيسية في إطروحته، وهي أن "حرية الاعتقاد لم تنشأ من داخل الديانتين اليهودية والمسيحية، بل من خارجهما، وأن غياب تلك القضية، إلى جانب قضية الحرية بشكل عام، في اليهودية والمسيحية، هو الذي أدى إلى أن يعيش الفكر الفلسفي الغربي مخاضا تطلب زمنا طويلا، لكي ينشأ مبحث الحرية عموما وحرية الاعتقاد خصوصا".

هذه البرهنة تطلبت من "الكنبوري" أن يعتمد المنهج الاستقرائي التحليلي، إضافة إلى المنهج التاريخي، قائلا "إننا أدركنا أن أطروحتنا تندرج في علم الأديان لكنها أيضا تندرج في تاريخ الأفكار؛ حيث وقفنا على المسار التاريخي للديانتين اليهودية والمسيحية، بهدف تحديد الإطار العام الذي يتحرك فيه البحث، وعملنا على تحليل النصوص الواردة في العهدين القديم والجديد ذات العلاقة بموضوعنا، وقمنا بمتابعة التطور الذي حصل في الفكر الغربي الحديث في ما يتعلق بمقاربة تلك النصوص".

ومن الخلاصات التي توصل إليها البحث أن "مبدأ حرية العقيدة في الفكر الغربي الحديث لم يكن من الممكن التأسيس له من دون إعادة تأويل الديانة المسيحية جذريا، من خلال عملية قادت إلى الخروج منها، بإسقاط الأسس الاعتقادية التي ترتكز عليها".

وهكذا أدرك مفكرو عصر الأنوار ـ يضيف الباحث ـ أن النص الديني شكل عائقا أمام التأسيس لمبدأ الحرية الإنسانية والكرامة الإنسانية، ولذلك كان من الضروري "تفجير" هذا النص عبر ممارسة أقصى عمليات التأويل عليه، لكي يصبح قابلا لتوليد المعاني الجديدة التي تناسب النزعة الليبرالية الحديثة، ومتوافقا مع مضمون الكرامة الإنسانية.

وذهب الباحث إلى أن "الأسس الاعتقادية التي شكلت قيدا في المسيحية أمام التأسيس لحرية العقيدة وحرية الاختيار، مثل الخطيئة الأصلية، وفكرة المخلص، وتبعية المؤمن للمؤسسة الكنسية، هي أسس غير موجودة في الإسلام"، مستنتجا أنه إذا كانت "حرية العقيدة في اليهودية والمسيحية قد تأسست بالخروج من الدين، فإن تأسيسها في الإسلام يكون بالدخول فيه، أي عبره ومن خلاله".

وفي إطار دراسة مقارنة بين الاديان، يرى "الكنبوري" أن التصور الإسلامي يؤسس لمبدأ الاختيار منذ البداية، لأن الأصل في الدين في هذا التصور هو الابتلاء، والابتلاء يستحيل بدون اختيار وإرادة، و"يترتب على القول بالاختيار والكرامة الإنسانية القول بالحرية لزوما، إذ لا يمكن أن يكون هناك اختيار من غير حرية".

يقول الباحث: "إن هذا هو النسق الفكري الليبرالي الغربي الذي أسس لحرية الاعتقاد، وهو نسق وضعه الإسلام بالتنصيص عليه في القرآن الكريم من خلال آيات واضحات لا تحتمل تأويلا يخرجها عما وضعت له من مبادئ أولية، على عكس ما حصل في اليهودية والمسيحية حين تم اللجوء إلى الاستعانة بالفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية منذ العصور الوسطى لتأسيس مبدأ الحرية الإنسانية".

وخلص الكنبوري إلى ان "الدين الإسلامي في المرحلة الراهنة تعرض لكثير من الحيف بفعل التراكمات السلبية التي غطت على المنابع الصافية الأولى، التي كانت ترى في الإسلام دين الرحمة والدعوة بالتي هي أحسن والعفو والتسامح، وتجعله بلاغا للناس لا سيفا مسلطا على رقابهم، لأن مهمة الأنبياء كانت هي البلاغ في الأصل ولم تكن مهمة قهرية، فكانوا مبلغين لا سلاطين".

ومن الاسباب التي أدت إلى هذا التحول هو ما سماه الباحث بـ"الثقافة الوسيطة"، أو الوساطة الثقافية، حيث لم يعد تلقي الإسلام من منابعه الأولى، قرآنا وسنة، بل من مصادر جديدة تتمثل في آراء ومواقف الرجال ومشايخ الجماعات، حتى أصبحت النصوص الدينية تؤخذ لتبرير آراء الرجال، ولا تؤخذ كمعيار تقاس به آراؤهم، وهو ما نتج عنه التفرق وانتشار التمذهب بمذاهب الشيوخ، فأصبح المذهب مقدما على النص، ولم يعد النص يؤدي سوى دور التبرير والتسويغ والتزكية للمواقف والآراء.

لهذا يقول الدكتور ادريس الكنبوري: "نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذه الروح التي حفزت رواد الإصلاح الأوائل، وتجاوز الثقافة الدينية التي نشرتها الجماعات المتطرفة بوصفها عصر انحطاط جديد نعيشه اليوم"، ولن يكون ذلك ممكنا من دون تجديد قواعد الفهم للنص الديني من منطلقاته الصافية الأولى، بعيدا عن تأويل الغالين وتحريف المبطلين..
عمر العمري

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث