logo

كريمة عيساوي: الحديث عن عدد معتنقي المسيحية في المغرب لا يخلو من مبالغة

 nour issawi hawar

نشرت جريدة "الوطنية" في عددها 29 الصادر بتاريخ 12 ماي 2017 حوارا مع الدكتورة "كريمة نور عيساوي" تناول علاقة المغرب بالمسيحية من الناحية التاريخية والثقافية، وتحركات بعض المسيحيين المغاربة العلنية ومطالبتهم بشكل رسمي بحقوقهم الدينية، كما تطرق الحوار إلأى السبل التي ينبغي التعامل بها مع قضايا التنصير.. يذكر أن الدكتورة كريمة نور عيساوي حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم مقارنة الأديان وشهادة الماستر في الدراسات السامية ومقارنة الأديان، وهي باحثة مختصة في علم مقارنة الأديان، ومسؤولة العلاقات الخارجية لاتحاد نساء آرارات بزيوريخ، سويسرا، وعضو مختبر حوار الحضارات ومقارنة الأديان، بفاس، وعضو فريق البحث في علم مقارنة الأديان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس، فاس، ورئيسة اللجنة المنظمة للملتقى الوطني الثاني والثالث للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان المنعقد بمدينة فاس. من مؤلفاتها: "موسوعة: الديانات السماوية: الكلمات - المفاتيح (اليهودية)" و "مدخل إلى نقد التوراة، رؤية من الداخل"، التوراة من التدوين إلى النقد، دار الوراق، عمان، 2017 و "عزرا كاتب التوراة بين الأسطورة والتاريخ" و"دراسات في النص الدين المقارن" بالإضافة إلى عددمن مقالات منها: "نحو أنثروبولوجيا للتواصل" و "اللاهوت وتقنين الكتب المقدسة".. وفيما يلي نص الحوار:

ماهي علاقة المغرب بالمسيحية من الناحية التاريخية و الثقافية؟

يُخطئ من يعتقد أن المسيحية طارئة على فضاء الثقافة المغربية، وأنها وفدت إليه فقط إبان العصر الحديث تزامنا مع بداية الاحتلال الفرنسي لأجزاء من شمال أفريقيا. فالمسيحية ضاربة بجذورها في التاريخ القديم، وكانت تُشكل مكونا أساسيا من مكونات الثقافة المغربية القديمة. وليس صدفة أن يُنتج ساكنة هذه المنطقة مسيحية ذات صبغة أمازيغية تُعرف بالدوناتية ارتدت ثوبا احتجاجيا تمثل في إعلان تمردها على الحكم الروماني، ورفضها القاطع لتعاليم الكنيسة الرسمية. وليس صدفة أن تكون شمال أفريقيا في الوقت نفسه هي موطن بعض كبار آباء المسيحية أمثال القديس أغوسطين المدافع القوي والشهير عن المسيحية الرسمية. غير أن مجيء الفتوحات الإسلامية سيُسهم، بشكل كبير، في وضع حد لنمو وتطور وانتشار المسيحية. لا نعرف، على وجه التحديد، كيف تم هذا الأمر، و لا ندري لماذا لم يتمسك بعض الساكنة بهذا الدين مثلما هو الحال في الشرق العربي. هي أسئلة محيرة يصعب أن نجد لها جوابا مقنعا. إن المهم بالنسبة للباحث أو المؤرخ هو أن المسيحية انسحبت تدريجيا من فضاء الثقافة المغربية إلى أن اختفت تماما. غير أن علاقة المغرب بهذه الديانة لم تنقطع في يوم من الأيام بسبب وجوده في الضفة المقابلة للغرب المسيحي، وما يقتضيه هذا الجوار من حركة تجارية نشيطة، وعلاقات دبلوماسية، وتبادل للأسرى.

يعرف المغرب مؤخرا نقاشا غير مسبوق في بعض القضايا الإسلامية وصل إلى نصوص قطعية الدلالة ، هل لخروج تنسيقية المغاربة المسيحيين الإعلامي علاقة بهذا الانفراج في المناخ الفكري؟

سبق المغرب الكثير من دول العالم العربي والإسلامي إلى إرساء الديمقراطية، وإقرار نظام التعدد الحزبي في الحياة السياسية، وضمان حريتي التعبير والصحافة، لكن مع تطور تكنولوجيا الإعلام والتواصل، ستتوسع كثيرا رقعة الحريات، وسيصبح الخوض في بعض القضايا الساخنة والشائكة أمرا متاحا. وقد استفادت تنسيقية المغاربة المسيحيين من هذه الوضعية المريحة لكي تُعلن عن نفسها دون خوف من المتابعة القضائية. خاصة أن دستور 2011 في الوقت الذي نص فيه على أن الإسلام دين الدولة أضاف بعد ذلك بأن الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية. الأمر الذي أضفى على حرية المعتقد نوعا من الغموض المنفتح على مجموعة من التأويلات. هذا بالإضافة إلى أن القانون الجنائي، في الفصل 220، لا يعاقب سوى كل من استعمل وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى. ولا يجب أن ننسى كذلك بأن المغرب صادق سنة 2014 على قرار أممي يؤكد على حرية المعتقد.

كيف تقيمين هذا الحراك الفكري، وماهي جوانبه الإيجابية والسلبية؟

إيجابيات هذا الحراك الفكري أكثر من سلبياته. قد تنجم عنه في أول الأمر بعض الانزلاقات الناتجة عن حداثة التجربة، وعن سلطة الجهل، وعن تلقي نوع من التربية التي تميل إلى الاستبداد بالرأي. فالحرية في نهاية المطاف مسؤولية، والحرية هي نتاج تربية وتعليم معينين. إن هذا الحراك الفكري يؤكد على أن هناك آراء مختلفة ومتباينة، وأن المغرب الذي قطع شوطا كبيرا في مجال الحريات يتسع للجميع. من حقك أن تخالفني الرأي، ومن حقي أن أخالفك الرأي. وسنكون قد حققنا خطوة كبرى في ترسيخ قيم التسامح والحوار والتفاهم حينما أتعلم أن أستمع إليك وتتعلم أن تستمع إلي دون أي محاولة للتخوين أو تبادل التهم أو الشتم. فهدفنا في الأخير هو بناء الوطن.

عندما نتحدث عن المسيحية نثير مسألة الحق في ممارسة الطقوس الدينية. ما رأيك في ذلك؟

من السابق لأوانه الحديث عن الحق في ممارسة الطقوس الدينية وإن كانت الحياة قد بدأت تدب في بعض الكنائس التي يتوافد عليها حاليا بعض المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء أو بعض الأجانب المقيمين في المغرب.

تزاول عملية نشر الدين المسيحي (التبشير أو التنصير)، بين التغرير بالمال والمساعدة على الهجرة إلى أوروبا والحوار والإقناع، أولا هل لديك معرفة بأي من الأسلوبين (الطمع أو الاقتناع) استعملته المسيحية للوصول إلى بعض قلوب المغاربة، ثانيا هل تقبل الثقافة المغربية بخصوصياتها الحالية السماح للكنيسة بنشر المسيحية علنا؟

نظمنا في المختبر السابق حوار الحضارات ومقارنة الأديان أو في فريق البحث في علم مقارنة الأديان أياما دراسية حول موضوع التنصير، وتعرفنا على بعض الوسائل التي تُستعمل لتحقيق هذه الغاية. وهي وسائل غير مشروعة يُجرمها القانون المغربي. لكن لدي مع ذلك قناعة تامة بأن الحديث عن عدد معتنقي المسيحية في المغرب لا يخلو من تهويل مبالغ فيه قد تروجه جهات معينة للإيحاء بأن الإسلام مهدد في عقر داره. إن المغاربة جميعهم متمسكون بدينهم الإسلامي، وذلك بصرف النظر عن مدى التزامهم به. فقد أصبح الإسلام جزءا أساسيا في الهوية المغربية مثلما هو الحال في جميع دول شمال أفريقيا.

ما هو السبيل للتعامل مع التنصير؟

حقق التنصير انتصارات في بعض الدول الأفريقية التي تحول الكثير من ساكنتها إلى المسيحية بعد كانت تؤمن بالإسلام دين الأجداد، وذلك بسبب الاستعمار والجهل والجوع. أما في المغرب فاعتناق البعض للمسيحية يبقى مجرد استثناء. ومع ذلك فإن التعامل مع التنصير يجب أن يمر عبر الحوار الهادئ، والحوار الهادئ لا يمكن أن يستغني عن إلمام المنخرط في المناظرة بعلم مقارنة الأديان. ولنا في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية أمثلة لهذا النوع من المناظرات التي تنأى عن التشنج، وتفتح الباب مشرعا أمام ترسيخ قيم التسامح.
من بين السبل الناجعة للتعامل مع التنصير كذلك التعرف على الأديان الأخرى، وذلك عن طريق التحصيل العلمي الرصين، وليس اعتمادا على التلويح بورقة التعصب المقيت والتكفير القاتل، وإصدار الأحكام الجاهزة. ولعل ذلك كان عنوانا بارزا لمؤتمر دولي شاركت فيه، انعقد منذ أسبوع فقط بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، تونس، هذا المؤتمر الذي وضع نُصب عينيه هدفا أساسيا يتمثل في وضع بعض أسس الحوار بين الأديان التي نحن في أشد الحاجة إليها لمواجهة الفكر التكفيري. ونحن في المغرب شرعنا في شق هذا الطريق الصعب منذ سنة 2007، وهو تاريخ تأسيس ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان بجامعة سيدي محمد بن عبد الله على يد الدكتور سعيد كفايتي. وكان أول ماستر تخصص في تدريس اللغة العبرية والأديان السماوية من يهودية ومسيحية، وقد تخرجت أفواج عديدة من هذا الماستر، منهم من ناقش أطروحة الدكتوراه ومنهم من هو في طور التحضير. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد أسس الدكتور سعيد كفايتي فريقا للبحث في علم مقارنة الأديان سنة 2014 حيث سهر ضمن أعضاء الفريق على تنظيم أيام دراسية، وندوات وطنية ومؤتمرات دولية تهتم بهذا المجال الجديد في الجامعة المغربية. ولا يزال الرجل رفقة فريقه ينحت من صخر من أجل أن يكون لهذا العلم موطأ قدم في فضاء البحث العلمي المغربي. وتعززت هذه الأنشطة العلمية المكثفة بتأسيس ماستر جديد هو اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان.
حوار يوسف العزوزي

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث