logo

كفايتي: إحداث كليات لمقارنة الأديان أصبح أمرا مستعجلا

kfeytaiprof

يُعيد موقع "الإسلام في المغربي"نشر هذا الحوار القيم الذي أجرته الدكتورة كريمة نور عيساوي مع أحد المثقفين المغاربة المرموقين الدكتور سعيد كفايتي وهو متخصص في علم مقارنة الأديان والدراسات اليهودية، وهو حاصل على دكتوراه دولة في المعجم العبري:

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ضيفنا اليوم هو شخصية لها نكهة خاصة، قليل الكلام، هادئ، يشتغل في صمت، يجمع ما بين الأدب واللغات واللسانيات والمعجم وعلم مقارنة الأديان. في أغلب الحوارات التي أجريتها اعتدت أن أعرف بضيوفي، لكن هذه المرة، ونظرا لكثرة تخصصات ضيفنا تركت له الكلمة لكي يعرفنا بنفسه، ويضعنا في المجال الذي يفضل الحديث عنه.

أستاذي الفاضل من هو الدكتور سعيد كفايتي؟
ينتمي سعيد كفايتي إلى جيل الستينيات، وهو من مواليد مدينة تطوان بشمال المغرب حيث قضى فيها طفولته الأولى . وعلى الرغم من قصر هذه المدة التي لم تتجاوز الثلاث أو الأربع سنوات، إلا أنها كانت كافية لتبقى هذه المدينة بكل خصوصياتها الحضارية موشومة في وجدانه حتى الآن. استقر بعد ذلك في مدينة وجدة، المدينة الحدودية المحاذية للجزائر، تتلمذ على يد مدرسين أكفاء حيث لا يزال يذكر، وهو في المرحلة الإبتدائية، أن واحدا منهم لقنه أجزاء من ألفية بن مالك. وفي المرحلة الإعدادية فتح عيناه لأول مرة على الإبداع لاسيما وأن الأقدار جمعته بأستاذ مبدع هو محمد لقاح الذي يُعد من أهم شعراء المنطقة الشرقية، وواحد من شعراء المغرب المتميزين. في هذه الفترة كان يشارك دوما في المسابقات التي كانت تُبث على أمواج الإذاعة، ولا يزال يستحضر حينما بلغت الإعدادية التي كان يدرس بها إلى النهائيات، ويتذكر الكتب الكثيرة التي فاز بها. ولا يمكن أن أنه كان يطلع مدرسه الشاعر على إبداعاته. هذه العلاقة استمرت بعد انتقاله إلى الثانوية، بل توطدت خاصة حينما بدأ ينشر قصصا قصيرة في جريدة "البيان" التي كان يسهر على صفحتها الثقافية الشاعر العملاق إدريس الملياني الذي لم يتردد في مراسلة القاص الشاب متأسفا عن التأخر في نشر إحدى القصص بسبب رداءة الخط.... لما ولج الكلية لم يكن نكرة لأن اسمه صار معروفا لأن الجرائد الوطنية آنذاك كان عددها محدودا. وبالإضافة إلى القصة القصيرة والمقالات النقدية اهتم بالمسرح وألف عدة مسرحيات وسهر رفقة صديقه عبد الله زروال على عرضها في المسارح والمشاركة في الملتقيات الوطنية. من حسن حظ هذا القاص الشاب أنه تتلمذ في الكلية على يد نخبة من الشعراء والمسرحيين المرموقين أمثال الدكتور محمد علي الرباوي، والدكتور عبد الرحمن بوعلي، والدكتور مصطفى الرمضاني...غير أن حبه للإبداع لم يحل دون عشقه للبحث الأكاديمي الرصين، واللسانيات على وجه الخصوص، التي كانت تعيش أزهى مراحلها في أوروبا، وبتأثير قوي من أستاذه محمد المدلاوي، وهو باحث عالمي مرموق، شد الرحال إلى فرنسا، بعد استفادته من منحة للدراسة بالخارج، حيث قضى هناك بضعة سنوات للتخصص في اللغة العبرية والدراسات اليهودية على يد الباحث المغربي اليهودي الملة حاييم زعفراني والباحث اليهودي الفرنسي إفراييم ريفلين . عاد باحثنا إلى المغرب بعد حصوله على الدكتوراه في اللغة العبرية، وساهم معية بعض أصدقائه القدامى والجدد في تأليف كتاب مهم حول المكان المسرحي، ونشر العديد من المقالات في جرائد ومجلات وطنية ودولية. إلى جانب نشره بين الفينة والأخرى قصصا في منابر ثقافية مختلفة. واحدة من هذه القصص أُدرجت ضمن ملف خاص بالقصة القصيرة في المغرب، ونُشرت بجريدة "أخبار الأدب" التي كان يشرف عليها الروائي العربي الكبير جمال الغيطاني. التحق بعد ذلك للتدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس، فاس حيث تنوعت اهتماماته لتشمل حقولا معرفية متنوعة (اللسانيات، المسرح، المعجم..) لعل أهمها علم مقارنة الأديان والدراسات اليهودية خاصة بعد حصوله على دكتوراه دولة في المعجم العبري.
نشر العشرات من الأبحاث بالعربية والفرنسية، وطُبعت له عدة كتب. ومن المرتقب أن ينشر قريبا كتابين أحدهما بعنوان دراسات يهودية والآخر بعنوان الفكر الديني اليهودي. إلى جانب تدريسه في كليته الأصلية يدرس بسلك الماستر بجامعة الأخوين الدولية بإيفران.

سأبدأ من حيث انتهيتم أستاذي وهو اهتمامكم بعلم مقارنة الأديان.أنتم تشتغلون منذ عقد من الزمن على الأقل في علم مقارنة الأديان. ولا شك أن الكثيرين لا يعرفون ما هي المحطات التي مر بها هذا العلم قبل أن يستوي عوده على الشكل الذي هو عليه. هل نطمع في لمحة عن تاريخ هذا العلم؟
على الرغم من قدم "الدين"، وتوغله في غابر الأزمان، كما تكشف عن ذلك الحفريات والأنثروبولوجيا وعلم الأساطير ، إلا أن "الدين" بمفهومه العام، وبصرف النظر عن كونه منزلا أم لا، لم يصبح ظاهرة قابلة للدراسة والتحليل، في نظر الكثيرين ممن أرخوا للفكر الديني القديم إلا في أوقات معلومة من تاريخ البشرية.
أولى المحطات تمثلت فيما وصل إلينا من أخبار متفرقة عن الأديان التي كانت سائدة في العالم القديم، والتي اعتنى برصدها، ووصفها، وتحليلها أحيانا، مؤرخون وفلاسفة ورجال دين.
هيمنت على المرحلة الثانية المتزامنة مع العصر المسيحي بزوغ فكرة الديانة الحقيقية. وهي الفكرة التي استعيرت من العصر الروماني، وذلك بعد أن ارتدت لبوسا جديدا متمثلة في المسيحية أو في إحدى مذاهبها. وقد طغى على البحث في الأديان، ردحا من الزمن، الطابع الجدلي المحض أو الدفاعي بحيث أن تصوير وفحص العقائد المختلفة، كما هي، توارى كثيرا إلى الخلف ليحل محله نزوع مقصود لدى علماء الأديان للبحث المُضني والتنقيب الجاد عن مواطن الضعف في عقيدة الخصم لإبطالها، وإبراز ناحية من نواحي القوة في عقيدته لنصرها ونشرها. ونجم عن هذا التصور اللاهوتي الإعلان أن جميع الديانات، باستثناء المسيحية، ذات أصل شيطاني، أي أنها عقائد زائفة وكاذبة وباطلة. ويمكن أن نتلمس جذور هذه النزعة في جدلها المبكر ضد اليهودية.
وغير بعيد عن أوروبا، وفي المرحلة نفسها، خاصة مع مستهل القرن الثامن الميلادي، بدأ البحث في الأديان يخطو، في ظل الحضارة العربية الإسلامية، خطوات حثيثة سرعان ما ستُفضي إلى نشأة علم الأديان. هذا العلم الذي يُعتبر في واقع الأمر نتاجا طبيعيا للبيئة الفكرية الإسلامية، ونتيجة لتداخل عوامل شتى من قبيل الدور الذي أداه القرآن الكريم في تنبيه العلماء المسلمين إلى أهمية الدراسة التحليلية النقدية للأديان، ثم الاحتكاك بأهل الأديان الأخرى والتعايش معهم، وكذلك واجبات الدعوة، والتصدي لشبهات الآخرين، والدفاع عن حظيرة التوحيد، ومبادئ الإسلام.لم يتخلص علم الأديان على يد العلماء المسلمين من اللهجة الدفاعية، ومن انخراطه في الجدل، ومن تفنيد ودحض الديانات الأخرى. وهو أمر كان مقبولا في سياق تاريخي معين. وسيكون من الخطأ أن نقرأه أو نحاكمه في ضوء التطورات التي شهدها هذا العلم في العصر الحديث. ما يعنينا بالدرجة الأولى هو أن العلماء المسلمين كانت لديهم معرفة بالأديان الأخرى، بما في ذلك ما نصطلح على تسميتها بالديانات الوضعية أو الآسيوية.
تمثلت المحطة الثالثة في أوروبا وقد كانت الولادة عسيرة حيث استغرقت بضعة قرون من الزمن، تجاذبتها أفكار متباينة، ورؤى مختلفة. ومن المؤكد أن هذا العلم لم ير النور إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وشهد قفزة كبيرة في القرن التاسع عشر تزامنا مع نشأة وتطور العلوم الإنسانية.
غير أن تعدد الاتجاهات والمدارس، وتنوع المناهج التي استخدمت لتحليل، وفهم الدين في تجلياته المختلفة ما كان لها أن تنمو وتتطور أو تظهر للوجود لو لم تجد مؤسسات أكاديمية ترعاها، وتسهر على إثرائها بمعارف قديمة وحديثة. وهو ما سيتحقق تدريجيا في عواصم أوروبية مشهود لها عالميا بالريادة والسبق.

hiwar kifayati

أشكركم على هذه التوطئة التاريخية المهمة. لكن ماذا عن علم مقارنة الأديان في الجامعات العربية؟
يمكن أن نزعم أن بداية هذا العلم كانت على يد العالم المصري الأزهري أمين الخولي الذي بادر منذ 1935 إلى تدريس مادة تاريخ الملل والنحل في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وكان سباقا إلى إصدار كتابه الهام: تاريخ الملل والنحل، كما ألف كتابا آخر بعنوان صلة الإسلام بإصلاح المسيحية. وتعكس هذه الكتابات المبكرة الجمع بين ثقافته العربية الإسلامية التي نلمسها في مؤلفاته الأخرى والثقافة الغربية التي كان شديد الاهتمام بها، ومتابعا لها بسبب إتقانه للغات الأوروبية. وفي سنة 1949 أُحدثت بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول مادة تاريخ الأديان، وعُهد إلى محمد عبد الله دراز بتدريسها لفائدة طلبة قسم الدراسات الفلسفية. وشهدت مصر وبعض الدول العربية الأخرى طبع ونشر العشرات من الكتب أو الترجمات من لغات أوروبية مختلفة إلى اللغة العربية. ومن المؤسف أن هذه الحركية في التأليف والنشر التي كانت تواكب ما يصدر في الغرب من دراسات حول علم مقارنة الأديان ، وتحاول أن تجد له مكانا في فضاء الثقافة العربية الإسلامية سرعان ما سيخفت وهجها أمام تصاعد لهجة الفكر الإقصائي، والفكر الواحد، والإسلام السياسي المتشدد. وأصبحنا أمام نكوص تمثل في وقوع البحث في الأديان أسيرا لخطابين اثنين هما: خطاب إيديولوجي وخطاب دعوي.

ما المقصود بهذين الخطابين؟
الخطاب الإيديولوجي يخلط علم مقارنة الأديان بالسياسة، وتحديدا بما يحدث في الشرق من اعتداء سافر على حقوق الفلسطينيين في أرضهم المسلوبة. ويعمد دعاة هذا الخطاب إلى تشويه صورة اليهودية، وإلى البحث لها عن مثالب حقيقية ومتخيلة وكأن الأمر بالنسبة إليهم أشبه بتصفية حساب. وفي المحصلة تكون النتيجة بضعة كتب ضحلة لا قيمة لها على الإطلاق، وينسون في غمرة الحماسة الزائدة أن تقويض أي فكر لا يتحقق بالجهل، وإنما بالعلم. ولنا في الاستشراق الغربي عبر لمن لا يعتبر. فالمستشرقون، بما في ذلك أولئك الذين لهم نوايا سيئة اتجاه الإسلام، يصرفون سنوات طوال من عمرهم في تعلم العربية، وفي الاطلاع على التراث العربي الإسلامي.
أما الخطاب الدعوي فهو بدوره خطاب إيديولوجي، غير أنه يمتطي صهوة الدين كما يفهمه بعض دعاة العصر الحديث ليبلغ موقفه من الأديان الأخرى. وتزامن بزوغ هذا الخطاب مع الصحوة الإسلامية التي شرعت في التنظير لعلم مقارنة الأديان وفق نظرة معيارية انتهى أجل صلاحيتها.

ألا يجرنا هذا الموضوع للحديث عن علاقة علم مقارنة الأديان بالإيمان لاسيما أن الكثيرين يتخوفون من الخوض في قضايا هذا العلم الجديد؟
تجربتي في تدريس هذه المادة منذ 2007 حتى الآن تجعلني أستحضر التخوفات التي صاحبت آنذاك افتتاح ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان، وتدفعني إلى استعادة الدور الذي قمت به رفقه هيئة التدريس (سيدي محمد زهير، ادريس الشرقي، محمد المدلاوي، عبد العزيز انميرات، حنان السقاط، سناء الراشدي، محمد حاتمي، محمد رضوان العزيفي، حسن الغرايب، لخضر زحوط، محمد بنعيادي...) من أجل تصحيح صورة علم مقارنة الأديان لدى الطلبة، خاصة أن الغالبية العظمى كانوا من خريجي شعبة الدراسات الإسلامية أو من خريجي كليات الشريعة. كنت أقوم بدور الواعظ، وأنا أردد على مسامعهم أن دراسة الواحد منا للمسيحية لن تجعله مسيحيا، مركزا بالدرجة الأولى على أهمية معرفة الأديان الأخرى المقترنة بتعلم اللغة العبرية، والتعرف على تاريخ الحضارات الشرقية، والتمكن من اللغات الأوربية خاصة الإنجليزية والفرنسية. كما كنت أنبههم بضرورة الفصل بين انتماءاتهم السياسية والإيديولوجية، وتخصصهم في هذا العلم مستشهدا بأسماء باحثين غربيين لم يمنعهم ارتباطهم بالكنيسة من أن يكونوا باحثين متميزين في علم مقارنة الأديان أو في نقد الكتاب المقدس. ويبدو أن الرسالة، وصلت وتم استيعابها. والدليل على ذلك أننا نشهد أو سنشهد قريبا ولادة مدرسة مغربية في علم مقارنة الأديان تتكون نواتها من خريجي هذا الماستر الذين واصلوا مشوارهم العلمي في الدكتوراه، وناقشوا أطاريحهم أو هم بصدد إعدادها. طبعا مع تثمين الجهود الكبرى في هذا العلم التي بُذلت على أيدي باحثين أكفاء في كليات مغربية أخرى، والتي ساهمت في تأطير الطلبة.

ألا تعتقد أن التركيز على دور ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان في استنبات هذا العلم في المغرب فيه هضم لمبادرات سابقة قام بها باحثون آخرون؟
يمكن أن نقول بأنه كان تتويجا لمبادرات سابقة. ومن المهم الإشارة إلى إسهام الدكتور أحمد شحلان في استنبات هذا العلم في الجامعة المغربية من خلال تدريسه للغة العبرية، وتطعيم الدرس بمقارنات لغوية وحضارية وتاريخية وأدبية. وما لبث أن أفضى هذا الاهتمام باللغات الشرقية إلى اقتراحه وحدة دكتوراه تهتم مكوناتها العلمية بالآداب واللغات الشرقية: الإبداع واللغات. هذا بالإضافة إلى إسهامه المتميز في إطار وحدة المناظرات الإسلامية بدرس معمق في علوم التوراة والتلمود والفكر اليهودي. وفي تسعينيات القرن الماضي رأت النور الجمعية المغربية للدراسات الشرقية، والتف حولها باحثون متخصصون في اللغات الشرقية وأنا واحد منهم، كان الجمع يلتئم على الأقل مرة واحدة في السنة بمراكش ضمن موائد مستديرة، وتمخضت عنها العشرات من المنشورات التي أغنت المكتبة المغربية والعربية بمواضيع تتسم بالكثير من الجدة والعمق. وليس صدفة أن يكون أعضاء الجمعية، ولاسيما المتخصصين في اللغة العبرية، هم الأكثر انخراطا في علم مقارنة الأديان أمثال الدكتور عبد العزيز شهبار والدكتور ادريس اعبيزة والدكتور عبد الكريم بوفرة والدكتور عبد الرحيم حماد والدكتورة سعدية منتصر والدكتور مولاي المامون لمريني وغيرهم. فاللغة العبرية هي إحدى المداخل الأساسية نحو هذا العلم. كما وجد علم مقارنة الأديان طريقه إلى الجامعة المغربية على يد نخبة من الباحثين الوافدين إليه من الدراسات الإسلامية، والذين كان لهم الفضل في التعريف به عن طريق المناظرات الدينية أو الحوار أو ما شابه ذلك. تقتضي الموضوعية أن نشير إلى الدكتور محمد أمين السماعيلي والدكتور مصطفى بوهندي والدكتور سعيد شبار. هؤلاء جميعا، وبصرف النظر عن مواقفهم الفكرية المتباينة، كان لهم دور مهم في تأسيس هذا العلم، وفي تطويره، ولا يزالون يكونون أجيالا من الطلبة.
في السنوات الأخيرة تأكد هذا الاتجاه نحو الأديان بشكل واضح في ثلاث مؤسسات جامعية مختلفة: كلية أصول الدين بتطوان ودار الحديث الحسنية التي تم فيها إحداث بضعة وحدات لتدريس علم مقارنة الأديان واللغة العبرية وماستر الدراسات الإسلامية بجامعة الأخوين.

أنتم الآن تشغلون مدير ماستر اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان ، هل له علاقة بماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان؟
بعد أن أسهمنا بمعية مجموعة من الأساتذة في تخرج سبعة أفواج كاملة، وبعد إصلاح 2014 كان من الضروري التفكير في إنشاء ماستر جديد يمد مركز دراسات الدكتوراه بباحثين جدد، ويكون بالنسبة إلينا مناسبة لاستكمال المسيرة التي بدأنا أولى خطواتها منذ 2007 لاسيما وأن الماستر الجديد تأسس في سياق دستور 2011 . فهذا الماستر يستلهم قلبا وقالبا روح الدستور الجديد للمملكة المغربية الذي ركز في ديباجته على التنوع الذي يطبع الثقافة المغربية بمكوناتها المختلفة، وروافدها المتعددة. كما أن اختيار هذه التكوينات بعينها كان من أجل خدمة هدف واحد ألا وهو الإسهام في تأسيس علم مقارنة الأديان (أو تاريخ الأديان أو علم الأديان). هذا العلم الذي يتميز بحاجته إلى حقول معرفية مختلفة من تاريخ (خاصة تاريخ الحضارات الشرقية) وفلسفة للدين وحوار للثقافات والأديان ونقد للكتاب المقدس وفيلولوجيا ولغة عبرية...
فأنا أومن أن الطريق نحو التعايش بين الأديان يمر عبر معرفة هذه الأديان نفسها. وأي حديث عن الحوار أو ما شابه ذلك لا يستحضر هذا المعطى فهو مجرد كلام فارغ. والمؤسف أن هذا الجهل غير المقصود الناتج عن عدم وجود تكوينات علمية في هذا المجال هو الذي يجعل حديثنا عن الأديان في الكتب المدرسية وغيرها مغلفا بكثير من المغالطات.

لنعد إلى ما سميته في عدة مناسبات بوجود مدرسة مغربية في علم مقارنة الأديان هي الآن في طور التشكل. هل يمكن أن تفصل الحديث قليلا حول هذا الموضوع؟
ليس في نيتي التقليل من الجهود التي تُبذل في جامعات مغربية مختلفة بإشراف أساتذة أكفاء، فنحن جميعا نتعاون من أجل تطوير علم مقارنة الأديان في المغرب. غير أني أسمح لنفسي أن أنوه ضمن فريق البحث في علم مقارنة الأديان التابع لمختبر الخطاب والإبداع والمجتمع بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بأعضاء الفريق والمتعاونين معه. فقد تم تحقيق عدة إنجازات في وقت قياسي وبإمكانيات تكاد أن تكون منعدمة. على مستوى النشر صدرت عدة مؤلفات: الرؤية الميثولوجية لعقيدة التثليث المسيحية للباحث منير تمودن، وصورة المرأة اليهودية بين الشريعة والواقع للباحث جمال صوالحين، نقد التوراة: رؤية من الداخل للدكتورة كريمة نور عيساوي، ومناهج نقد العهد القديم عند الغرب للباحثة أسماء وردي، و"قصة يوسف بين التوراة والقرآن الكريم: "الخصائص الفنية" للباحثة كريمة كطيبي، وأثر الفكر الإسلامي على فرقة القرائين اليهودية للباحث كمال الدوش، و"قصة الطوفان بين الأسطورة والدين"، دراسة وصفية تحليلية للباحث هشام مباركي. وأفردت مجلة مقاربات التي يُشرف عليها الدكتور جمال بوطيب في شهر يوليوز من السنة الماضية عددا خاصا بعلم مقارنة الأديان تضمن بإشرافي عددا من المداخلات القيمة لأعضاء فريق البحث في علم مقارنة الأديان. وقد أصدرنا كتابين عن "المركز الأكاديمي للأبحاث" ضمن سلسلة أديان مقارنة بتورنتو بكندا: كتاب دراسات في النص الديني المقارن وكتاب البحث عن عزرا كاتب التوراة. ونحن بصدد إعداد مجموعة من الكتب التي ستصدر تباعا في غضون هذه السنة. أما بخصوص الندوات فالفريق نظم الكثير من الندوات الوطنية والدولية والأيام الدراسية. وكان له الفضل في تنظيم أول مؤتمر للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان. وأصبح بعد ذلك تقليدا سنعمل على تطويره مستقبلا. والفريق الآن منكب على تحضير المؤتمر الدولي الثالث للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان، ويتطلع كثيرا إلى أن يجد الدعم المادي الكافي لإنجاحه.

بعد إطلاقكم لسلسلة أديان مقارنة ما هي مشاريعكم العلمية المستقبلية؟
سنُعلن لأول مرة عن العمل الضخم الذي نحن بصدد الإعداد له ضمن فريق البحث والمتعاونين معه المتمثل في إصدار الجزء الأول من موسوعة متخصصة ومفصلة في الأديان، ستُستهل بالديانة اليهودية لاعتبارات تاريخية محضة، وسيتضمن هذا الجزء أكثر من ثلاث مائة مدخل باللغة العربية ومقابلاته بكل من الفرنسية والإنجليزية والعبرية. وهذا العمل هو في حقيقة الأمر تطوير لتجربة سابقة أشرفت عليها وأصدرتها الكلية التي أنتمي إليها منذ 2011 بعنوان موسوعة الديانات السماوية: الكلمات المفاتيح (اليهودية).

لكن ألا ترى بأن هناك مفارقة لافتة للانتباه تتمثل في تخرج العشرات من الباحثين في هذا التخصص. هذا في الوقت الذي لا تبدو في الأفق أية استراتيجية لاستيعابهم على مستوى التشغيل. أما القلة التي تفلح في انتزاع منصب شغل فالغالب أنه لا يناسب تخصصها في علم مقارنة الأديان؟
نشعر أحيانا بالإحباط ونحن نرى خيرة طلبتنا يُدرسون مواد لا علاقة لها بتخصصهم في علم مقارنة الأديان أو في اللغة العبرية. حينما أسسنا الماستر في صيغته الأولى وفي صيغته الثانية كنا نأمل أن يجد طلبتنا مكانهم في الجامعة، وفي الإعلام، وفي بعض الوزارات (وزارة الخارجية، وزارة الداخلية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الوزارة المكلفة بالجالية المغربية بالخارج..) التي تحتاج إلى خبرات في هذا التخصص أسوة بالكثير من دول العالم. نأمل أن يتحقق هذا الأمر في المستقبل. غير أننا نراهن على فتح كليات لعلم مقارنة الأديان أو معاهد للدراسات الشرقية تليقُ بمكانة المغرب باعتباره مدافعا شرسا في المنتديات الدولية عن التعايش بين الأديان وتحالف الحضارات والحوار بين الثقافات والوسطية وغيرها. وليس صدفة أن يرعى المغرب منذ المغفور له الحسن الثاني رحمه الله وحتى الآن مثل هذه القيم. وليس صدفة أن تحتضن مراكش في السنة الماضية،وتحديدا من 25 إلى 27 يناير 2016 الملتقى الدولي حول “الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: "الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة”. إن إحداث كليات لمقارنة الأديان أصبح أمرا مستعجلا سيُلبي، إذا ما تحقق، الحاجة المتزايدة إلى معرفة الأديان الأخرى، وتوظيف هذه المعرفة في مقاومة كل أشكال التطرف، وفي تدبير العلاقات الدولية، وفي إعطاء جدوى لمثل هذه التخصصات.

أشكركم أستاذي الفاضل على رحابة صدركم، وأترككم لتقدموا كلمة أخيرة لمتتبعيكم.
في البداية أشكرك على هذا الحوار الذي كان فرصة للتعبير عن بعض هواجسنا العلمية. ما أحلم به هو أن تعمد وزارة التعليم العالي بالمغرب إلى إحداث كليات متخصصة في علم مقارنة الأديان تستوعب خريجي علم مقارنة الأديان، وتفتح الباب على مصراعيه لدراسة الأديان سواء السماوية منها أو الوضعية على غرار بعض الدول العربية والغربية. وما هذا بعزيز على مغرب التحديات الكبرى.
أجرى الحوار الدكتورة كريمة نور عيساوي
عن موقع صحيفة المثقف

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث