logo

هل تؤشر عودة لخضر بكير على طي ملف الشبيبة الإسلامية نهائياً؟

bakiretzaouech

تمكن لخضر بكير، أحد قيادات الشبيبة الإسلامية من العودة إلى أرض الوطن، يوم الثلاثاء الماضي، بعد قضائه أكثر من 28 سنة بالمنفي في ليبيا، على خلفية الحكم الصادر بحقه والقاضي بالإعدام ضمن مجموعة بلقاسم حكيمي، كما عاد أيضا محمد حكيمي في شهر ماي الماضي إلى أرض الوطن بعدما استطاع تسلم جواز سفره من القنصلية المغربية بأوسلو، وقبلهما تمكن كل من رشيد شرايبي وفوزي عبد الكريم من مجموعة 71 من العودة إلى أرض الوطن أيضا، وتبقى هناك محاولات جارية لعودة قياديين كبيرين في الشبيبة الإسلامية من فرنسا، ويتعلق الأمر بكل من كل الولد الحبيب وعبد اللطيف الإدريسي.

والملاحظ أن كل هذه الشخصيات القيادية، سابقا، في تنظيم الشبيبة الإسلامية قد طالها حكم الإعدام في سنوات السبعينات والثمانينات، حيث عاشت في المنافي مطاردة بين ليبيا وأوربا، الأمر الذي جعلها تعيش حالة كمون بعيدة عن أضواء الإعلام، بل إن معظم هذه الشخصيات قد بادرت إلى تجميد عضويتها، حسب أحد القياديين في تنظيم الشيخ عبد الكريم مطيع نظرا لعاملي "المطاردة والخوف من الاعتقال"..

فهل عودة القياديين السابقين في تنظيم الشبيبة الإسلامية هي مؤشر على طي ملف الشبيبة الإسلامية نهائيا، وهل طي الملف سيتم بطريقة قانونية كما أشار إلى ذلك وزير العدل والحريات من داخل قبة البرلمان بأن جميع ملفات المنفيين قد شملهم التقادم الجنائي وكل الأحكام التي صدرت بحقهم باتت ملغاة؟ أم أن عملية طي الملف ستبقى متأرجحة بين الحل القانوني والحل الأمني في استبعاد تام للحل السياسي؟

الدولة تفرغ ملف الشبيبة الإسلامية من المحتوى السياسي

يرى إدريس الكنبوري، الباحث في الحركات الإسلامية والشأن الديني، أن عودة لخضر بكير إلى المغرب مؤشر جديد على أن ملف الشبيبة الإسلامية الذي ما يزال معلقا منذ عقود، بات في حكم الانتهاء منه بخطوات تدريجية بدأت منذ سنوات مع عودة بلقاسم حكيمي الذي أفرج عنه بعد قضاء حوالي عشرين سنة رهن الاعتقال، ودخول شقيقه محمد حكيمي في شهر ماي الماضي حيث كان مقيما في بلجيكا منذ صدور حكم عليه بالإعدام في إطار الأحكام التي صدرت في حق أعضاء التنظيم خلال النصف الثاني من السبعينات وما بعدها.

ويستطرد الكنبوري كون القضيتان مختلفتين، فالإفراج عن بلقاسم حكيمي، حسب رأيه، "جاء في سياق رغبة المغرب في طي ملف الاعتقال السياسي، وجزء من رزمة من عمليات الإفراج، أما عودة شقيقه فهي تندرج في إطار تصفية ملف النفي السياسي. وهذه مشكلة سياسية وقانونية ظلت تلاحق صورة المغرب بعدما أنهى العديد من الملفات التي كانت عالقة من الماضي، لأن الثقل المعنوي والرمزي للنفي بالنسبة لصورة الدولة يفوق ثقل الاعتقال السياسي في الداخل، في حالة الاعتقال السياسي تكون المشكلة مع القانون، أما في حالة النفي فتكون المشكلة مع النظام" ولذلك، يقول الكنبوري :" نلاحظ أن الدولة لجأت إلى إفراغ قضية الشبيبة الإسلامية من المحتوى السياسي ووضعها تحت طائلة القانون، وذلك عبر مدخل تقادم الدعوى العمومية ضد المحكوم عليهم إذا تجاوزت الأحكام 15 سنة، وفق ما صرح به وزير العدل والحريات مصطفى الرميد في البرلمان قبل أشهر، وفي هذا الإطار عاد محمد حكيمي إلى المغرب، بعدما أصبحت قضيته في حكم التقادم".

لا شك أن الدولة أصبحت تدرك جيدا البعد السياسي وحتى الإنساني لحالة المنفيين من أبناء الشبيبة الإسلامية، الذين قضوا عقودا طويلة خارج بلدهم، وأنه آن الأوان لإنهاء هذا الملف، خصوصا وأن المغرب حقق تراكمات في مجال حقوق الإنسان لا سبيل إلى إنكارها، وبقيت هذه القضية نغمة نشازا في هذا البناء. فهل ستبادر الدولة لحل ملف الشبيبة الإسلامية عبر تسوية سياسية؟

يجيب الكنبوري بأن الدولة "لا تريد التعامل مع هذا الملف من المدخل السياسي، لأن المدخل السياسي سيعطي أمرين: الأول أنه سيعطي الانطباع بأن المغرب لا يزال يجر وراءه بقايا سنوات الرصاص، علما بأن هناك إجماعا على أن هذه الصفحة تم طيها بشكل نهائي مع تسوية آخر ملفات معتقلي اليسار القديم، وهذا من شأنه أن يشكك في جميع الخطوات التي قطعها المغرب على مستوى إرساء مؤسسات حقوقية وترسانة قانونية لتكريس هذا الواقع. أما الأمر الثاني فإن المدخل السياسي سيوفر لحركة الشبيبة الإسلامية غطاء سياسيا لإعادة تسويق نفسها مجددا بعد عقود من الغياب، ويمحنها نوعا من الهالة أو الكاريزما السياسية التي لا تريدها الدولة".

ويرى الكنبوري أن "الدولة تريد أن تجس نبض تنظيم الشبيبة الإسلامية من خلال الذين عادوا اليوم من الحركة وهم من الصف الأول للتنظيم والذين سيمهدون الطريق أمام عودة وجوه الصف الأول فيها، تمهيدا لعودة الشيخ عبد الكريم مطيع زعيم الحركة".

وماذا عن إمكانية توظيف الشبيبة الإسلامية من أجل أضعاف حزب العدالة والتنمية كما يذهب بعض المحللين؟

جوابا عن هذا السؤال، يستبعد الكنبوري سيناريو توظيف الدولة لحركة الشبيبة الإسلامية ضد حزب العدالة والتنمية، لأن حزب العدالة والتنمية "أبان أنه أكثر فصيل إسلامي في المغرب قادر على خدمة الدولة، وأبان خلال هذه المدة عن مستوى عال من الاعتدال، زد على ذلك أن مرور عقود طويلة من المنفى التي قضاها أبناء الشبيبة في الخارج، وجميعهم كانوا من الشباب وتلقوا تعليمهم في بلدان المنفى، مثل هؤلاء لا أعتقد بأن الدولة يمكن أن تغامر بسرعة في تبنيهم سياسيا ولم يجر اختبارهم، كما لا تعرف القناعات التي تكونت لديهم اتجاه الدولة خلال تلك المدة الطويلة، والأكثر من ذلك أنه سيكون لديهم نوع من الانفصام عن الوضع العام في البلاد نتيجة الغياب عن التحولات الكبرى والعميقة التي مر منها المغرب منذ تلك الفترة".

ملف جميع الإسلاميين لا يزال بين يد صناع القرار الأمني

من جانبه، استبعد منتصر حمادة، باحث في الحركات الإسلامية، تسوية ملف الشبيبة الإسلامية بشكل نهائي مع عودة بعض الرموز القيادية وآخرها لخضر بكير، فالملف برأيه "أكبر من عودة القيادي في الشبيبة لخضر بكير وأكبر حتى من عودة عبد الكريم مطيع، زعيم ومؤسس التنظيم، بحكم أن تسوية هذا الملف تبقى بين أيدي صناع القرار الأمني، لاعتبارات عدة، أهمها أن ملف الحركات الإسلامية (إخوانية كانت أم سلفية)، يبقى ملفا أمنيا بالدرجة الأولى، ولو أنه تتداخل فيها تجليات أو تداعيات سياسية وحقوقية واجتماعية، وهذه ميزة تدبير الملف في الوطن العربي بشكل عام، وحتى في الغرب، وليس في المغرب وحسب".

وأشار حمادة إلى أن الانطلاق من هذه الأرضية، وهي الأقرب إلى المُسلمة، لا ينفي وجود احتمال في أن تجسد عودة باكير قد تمهد لتسوية ملف طال انتظاره، وطالت انتظارية المعنيين به، من حركات إسلامية (إخوانية أساسا) وأحزاب سياسية (إخوانية ويسارية)، ولو أنه للمفارقة، نجد تيارات إسلامية وسياسية ليس من صالحها طي هذا الملف ولا بالأحرى عودة عبد الكريم مطيع، والإحالة هنا على تيار إسلامي وتيار يساري: بالنسبة للتيار الإسلامي، فالأمر يتعلق بحركة "الإصلاح والتجديد" الإسلامية ، وبالتالي حركة "التوحيد والإصلاح وحزب "العدالة والتنمية"، بحكم أن القياديين في الحركة المعنية هنا، يحتلون مناصب وزارية في حكومة "الربيع المغربي".

أما فيما يتعلق بالتيار اليساري، "فلا يخرج عن بعض أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بحكم إصرار هؤلاء على التلويح بورقة مقتل عمر بنجلون، من طرف أعضاء في الشبيبة، حسب الرواية الاتحادية، وبالتالي ليس من صالح هذا التيار عودة مطيع وطي الملف والتأسيس لمرحلة مصالحة جديدة بين المكون الأول والمؤسس للعمل الإسلامي في الساحة المغربية وبين مكون بارز في الصف اليساري" يقول منتصر حمادة.

لكن الدرس الهام في عودة باكير، يبقي الرهان على المقاربة الحقوقية من أجل تسوية متوسطة المدى للملف، حسب رأي الباحث، غير أن الأمر يتطلب، حسب رأيه، "الانتباه إلى قلاقل ملف المعتقلين السلفيين؛ ويتضح الدرس الثاني في إعادة "سؤال تأريخ العمل الإسلامي الحركي في المغرب"، بحيث تعاني الساحة من فراغ رهيب في هذا المجال، مادام السائد حاليا، لا يخرج عن صدور بعض الروايات والأعمال التي تندرج في إطار تجميل صورة فصيل معين على حساب باقي الفصائل، مقارنة مع صمت أغلب الرموز المؤسسة عن الخوض في تفاصيل المراحل الأولى والمفصلية للعمل الإسلامي" يورد حمادة.

الدولة تختار المعالجة القضائية والقانونية بدل المقاربة السياسية

أما عبد الله العماري، القيادي السابق في الشبيبة الإسلامية، وعضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة، فإنه يرى في عودة لخضر بكير المحكوم غيابيا بالإعدام في المحاكمة الإسلامية الثانية سنة 1985، في ما عرف بمحاكمة المجموعة 26 الإسلامية، والتي حكم فيها 14 فردا بالإعدام حضوريا وغيابيا، "مؤشرا ينضاف إلى غيره من المؤشرات التي تبشر بقرب إنهاء ملف المنفيين السياسيين الإسلاميين المحكومين سابقا بأحكام غيابية في محاكمات سياسية إسلامية خلال سنوات الرصاص".

ويضيف العماري، وهو محام بهيئة الدار البيضاء، في اتصال هاتفي مع هسبريس "أن ملف المنفيين السياسيين الإسلاميين الذي بقي عالقا منذ سنة 1994، سنة العفو الملكي الشامل عن المعتقلين السياسيين وعن المنفيين أيضا، في طريقه إلى الحل والتصفية في إطار طي صفحة الماضي، اختارت له الدولة المغربية المعالجة الحقوقية على سبيل المعالجة القانونية والقضائية، باعتبار أن الأحكام والعقوبات الجنائية الغيابية التي أدينت بها هذه الفئة من المنفيين السياسيين قد أصبحت في حكم الملغاة بما طالها من تقادم جنائي وفق مقتضيات قانون المسطرة الجنائية المغربية والتعديلات الطارئة عليها".

ويرجع القيادي السابق في الشبيبة الإسلامية السبب في ذلك إلى كون المغرب "مقبل على تحديات سياسية تاريخية بفعل واقع الصراع والتآمر على وحدته الترابية وأمنه السياسي من طرف جنرالات الجزائر، ويتطلب الوضع تعبئة وطنية ترص من خلالها الصفوف، وتجتمع من خلالها الكلمة الواحدة والموقف الواحد تجاه القضية الوطنية، قضية تحصين استرجاع الصحراء المغربية باعتبارها قضية حياة أو موت بالنسبة للمغاربة، ومن ثم وجب سد جميع الثغرات والثقوب في الأسوار المغربية، وحتى لا يبقى أبناء الوطن شاردين عن المسار السياسي الاستراتيجي للبلاد، محرومين من احتضان الوطن لهم واستثمار طاقاتهم، ومقصيين من الاندماج في النسيج الوطني".

ويضيف المتحدث: " إن الإخوة من أطر وقيادات الحركة الإسلامية المدانون بأحكام غيابية في محاكمات القرن الماضي، وفي طليعتهم الأستاذ عبد الكريم مطيع، هم ممن ينبغي أن يعجل بتصفية قضية رجوعهم إلى أهلهم وديارهم ووطنهم".

وأشار إلى الحل الحقوقي بالمعالجة القضائية من خلال إلغاء العقوبات وآثارها بمقتضى التقادم، والذي فعلته أخيرا وزارة العدل والحريات بتجهيز كل الملفات من هذا القبيل، وإصدار تعليمات بإلغاء مذكرات البحث والتوقيف على الصعيد الوطني والدولي "هو إحدى الوسائل لتدارك ما قد فات خلال فترة المصالحة الوطنية سنة 1994، والتي كانت قد استفادت منها المعارضة السياسية، وبقي الموقف الرسمي متذبذبا تجاه هذه الفئة من الإسلاميين، والآن يهم كثير من أفراد هذه الفئة بجمع حقائبهم والعودة إلى بلادهم للمساهمة في البناء من الداخل".

نور الدين لشهب

المصدر: موقع هسبرس 30 نوفمبر 2013

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث