logo

نداء "المعتصم" و"الرهوني" إلى "المصالحة التاريخية الشجاعة"

 morocco flag 24

توصل موقع "إسلام مغربي" بمبادرة "نداء المصالحة التاريخية الشجاعة" موقعة من قبل الأستاذين "المصطفى المعتصم" و"سعيد الرهوني"، تدعو "كل نخبنا السياسية والمدنية للتفاعل الإيجابي مع المبادرة، والمساهمة في أجرأة أبعادها العلائقية والعملياتية، عبر بلورة كل الصيغ والأوراش الكفيلة بإضاءة عتمات مصالحاتنا بتمفصلات: السياسي/ الأمني/ الديني/ الثقافي التربوي/ الحقوقي/ النقابي/الاقتصادي الاجتماعي/ الجهوي المجالي/ اللغوي/ البيئي". ويؤكد النداء على ضرور تقاسم مطلب المصالحة "كخارطة طريق وطنية مدمجة لتدبير وطي انتهاكات واحتقانات الماضي السياسية والاجتماعية والحقوقية والثقافية، ومعالجة توترات وانحرافات النسق السياسي لديموقراطيتنا الفتية بمضمونها التعاقدي والمؤسسي المستوعب لإرادة الأغلبية، وتحيين تفكير وتدبير ملفاتنا وقضايانا الوطنية والهوياتية والسيادية".. ويحتاج وعينا التاريخي كمغاربة أحرار وشجعان ـ يضيف النداء ـ في "الالتحام حول كياننا الوطني عبر التاريخ، إلى وقفة وطنية مستعجلة جادة وعاقلة ومسؤولة مع الذات، لتملك وعي المصالحة التاريخية، كحكمة ملهمة لضمير الزمن، تنتشلنا جماعيا من براثين خصومات الأنانية والكراهية والاستقالة واللامبالاة، الموسومة بمفاعيل ميراث القهر والظلم".. وفيما يلي نص المبادرة كما توصل به الموقع:

إزاء وضع دولي بالغ التوتر والتأزم والتعقيد، وحابل بموجات الفوضى واللامرتقب واللايقين، في عصر لا تكف وتيرة تسارع أحداثه وتغير معطياته وحقائقه عن مباغتة وزعزعة ثوابت قناعاتنا وبديهيات فهمنا، بتواتر تهديدات استئساد سياسات التعصب والتطرف والتوحش، الطافحة بالمآسي والفتن والحروب والدمار، وما تتشكل في أحشاء مصادمات زمننا الكوني من معالم "نظام" عالمي جديد، تنسج خرائطه مخططات جيوإستراتيجية جبارة لتفكيك وإعادة تركيب حدود الدول والأوطان والقوميات، وصياغة منظومة مغايرة لاقتسام مجالات السيادة والهيمنة والنفوذ، وفق ترتيبات ملتبسة وخفية لأجندات المصالح ومنطق التحالفات والضحايا المحتملين.

وأمام واقع جهوي وإقليمي وشرق أوسطي متقلب ومتفجر، يموج بالقلاقل والاضطرابات وويلات الحروب الطائفية والأهلية المتخلفة عن المآلات الكارثية لوعود الربيع العربي، المخترقة بإملاءات الفوضى الخلاقة للخصومات والفتن وتفتيت وحدة الأوطان والشعوب، والقذف بها إلى جحيم الاقتتال والحروب والتشرد، كلعنة تعاقب العجز المزمن لنماذج الدول الوطنية عن تشييد نموذج تنموي وحضاري تنافسي، وترسيم شرعيتها الديموقراطية وعقلنة ومأسسة آليات تدبير الاختلاف.

واعتبارا لما تشكله هذه المعطيات في محصلتها كسياق، من تهديد محدق لأمن ووحدة المغرب، واستشعارا لحساسية وتعقيدات اللحظة المفصلية الراهنة من تاريخنا الوطني المعاصر، التي يكاد ينفرط عقد تماسكها السياسي والاجتماعي والثقافي والعقدي والأمني، من فرط انزلاقات التطبيع الإرادي الخطير والمتبادل مع ثقافة التسيب والتناحر والاستعلاء والاستعداء وشيطنة الآخر؛ في ظل القصور البين لديموقراطيتنا المعطوبة عن تأطير إرادة أغلبية الناخبين، التي لازالت تمانع وتقاطع بسلبية نشطة ومخيفة واجب مواطنتها المقدس في التصويت وحرية الاقتراع، مشكلة أغلبية "لامواطنة" صامتة وشاردة، تعيش بين ظهرانينا وتتنفس هواءنا ورائحة ترابنا دون أن يلتفت لها أو يهتم بها أحد، وضمنهم ما يقارب ثلث الشعب المغربي، المحرومين بالتقسيط المريح، أمام مرأى ومسمع الجميع في الألفية الثالثة لسلطة اقتصاد المعرفة، من نورانية المعرفة والعلم، ومن بديع أمر الله الأول للإنسان: "اقرأ" في دولة تدين بالإسلام، والمسلوبين بالنتيجة، من حقهم الأدنى في المعرفة والعلم والثروة والكرامة والاعتراف الموجبة للمواطنة ومن مسؤولية وأمانة رعايتهم، والذين ينفثون كل يوم حقدهم وكراهيتهم لوطنهم ومواطنتهم، في كل مناحي حياتنا اليومية، من فرط احتقارهم وإقصائهم وامتهان جدارتهم بالمعرفة والعيش الكريم، في ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية حالكة، تتفاقم فيها حدة التفاوت الاجتماعي وسوء توزيع السلطة والثروة، وتتعاظم معها مظاهر الهشاشة والفقر والإقصاء والبطالة والإجرام وتفريخ اليأس والتطرف، فضلا عن التراجع المخيف لمؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية ومعدلات النمو، وانحباس الحوار الاجتماعي، وتردي الحريات النقابية، وتفشي ثقافة الريع والفساد، واستفحال مشكلة المديونية والارتهان للخارج، بينما نعاين بأسى وألم، لامبالاة وانشغال جل أطياف الطبقة السياسية والحزبية بمشاحناتها وملاسناتها ومنازعاتها الذاتية والمصلحية الضيقة البئيسة والخطيرة، مما ينذر جديا بعواقب وخيمة على الأمن والاستقرار والسلم المدني، تكاد تشل المشروع المجتمعي الديموقراطي.

لكل ذلك يحتاج وعينا التاريخي كمغاربة أحرار وشجعان في الالتحام حول كياننا الوطني عبر التاريخ، إلى وقفة وطنية مستعجلة جادة وعاقلة ومسؤولة مع الذات، لتملك وعي المصالحة التاريخية، كحكمة ملهمة لضمير الزمن، تنتشلنا جماعيا من براثين خصومات الأنانية والكراهية والاستقالة واللامبالاة، الموسومة بمفاعيل ميراث القهر والظلم والطغيان، وانشطارات ثنائية "السيبة/ المخزن"، لتقودنا وتهدينا جميعا لسبل التقدم نحو " كلمة سواء" بمعناها القرآني التصالحي الحكيم والنبيل، حيث نستوي في مطلبها الشاق والقويم لتقدير واعتبار واحترام ومحبة بعضنا البعض الآخر، بصرف النظر عن تمايزاتنا واختلافاتنا السياسية والفكرية والعقدية، في وطن يحتاج أكثر من أي وقت مضى لطاقة وذكاء كل بناته وأبنائه، عساه لا يخطئ موعده مع عالم لا يحترم غير الأقوياء.

وليس بغير اعتماد مقاربة تشاركية مدمجة لقيم الاعتراف المتبادل، ونبذ ميراث التعصب والإقصاء، بين مكونات وتعبيرات الفضاء العمومي والمدني الوطني، كقوى سياسية وحزبية، وكفاعلين اجتماعيين واقتصاديين ومدنيين، وكحقوقيين ومثقفين وفنانين، وبإسهام فعلي ووازن لرموز الحركة الوطنية المغربية، ومغاربة العالم، يمكن أن نمتلك المفاتيح المنهجية والقيمية والأخلاقية الضرورية لمباشرة تفكير جماعي ومتكافئ في قضايانا الحقيقية المحجوزة والمؤجلة، بدءا من المساءلة التعددية النقدية لحصيلة وتراكمات أنساق تطورنا الحضاري، وجامع مكونات هويتنا عبر التاريخ، وصولا إلى ملامسة إشكاليات وتحديات أمن وكرامة شعبنا و وحدة ومستقبل كياننا الوطني، بمنظور استراتيجي خلاق ومبدع لهوية المغرب الجمع، نستشرف عبره سويا وبكل ثقة وعزم، آفاق البناء التشاركي المتكافئ للمشترك المادي واللامادي الذي يوحدنا، واحتياجات توطيد مؤسسات الدولة الوطنية الديموقراطية الحديثة، بتعاقداتها المؤسسية الضرورية في الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بمركزية رعاية كرامة وأمن ورفاهية المواطن، وصيانة الحقوق وخدمة الصالح العام، وتحديث نظام التربية والتكوين وتحفيز البحث العلمي، وتعزيز المساواة والإنصاف و مأسسة الحكامة الأمنية وترسيخ الاعتراف بمكونات الهوية الوطنية المغربية، كمداخل أساسية ضمن أخرى ممكنة لتجسير سبل تسوية ملفات خصوماتنا الاجتماعية والحقوقية والأمنية والثقافية والمجالية، وتخصيب الوعي التاريخي الوطني بضرورة حلحلة قضايانا الحدودية و الترابية الحساسة والعالقة منذ زمن بعيد مع بلدان الجوار، بجرأة وحكمة وإقدام، للتحرر السلمي والنهائي من كوابح وممانعات وألغام الماضي الاستعماري المقيت.

بهذه الروح النابضة بوجدان المصالحة التاريخية الشجاعة، كقضية مصيرية ومفصلية، أكبر بكثير من مجرد مصالحة طرف أو حزب أو تيار، ودون أن نغفل أننا معنيون جميعا بمطلب المصالحة، نتوجه بهذا النداء لكل نخبنا السياسية والمدنية للتفاعل الإيجابي مع المبادرة، والمساهمة في أجرأة أبعادها العلائقية والعملياتية، عبر بلورة كل الصيغ والأوراش الكفيلة بإضاءة عتمات مصالحاتنا بتمفصلات: السياسي/ الأمني/ الديني/ الثقافي التربوي/ الحقوقي/ النقابي/الاقتصادي الاجتماعي/ الجهوي المجالي/ اللغوي/ البيئي، باعتبارها رافعات أساسية لتجسير جدارتنا الجماعية ببناء وتقاسم مطلب المصالحة: كخارطة طريق وطنية مدمجة لتدبير وطي انتهاكات واحتقانات الماضي السياسية والاجتماعية والحقوقية والثقافية، ومعالجة توترات وانحرافات النسق السياسي لديموقراطيتنا الفتية بمضمونها التعاقدي والمؤسسي المستوعب لإرادة الأغلبية، وتحيين تفكير وتدبير ملفاتنا وقضايانا الوطنية والهوياتية والسيادية، لضمان تحصين كرامة الشعب وأمن ووحدة الوطن، واستحقاق شرف المساهمة الجماعية في صياغة المصير المشترك الجدير بمجد أجيالنا الصاعدة، في كنف السلم والمحبة والأمن ودولة الحق والقانون .
الرباط في 25 صفر 1438 الموافق ل 25 نونبر 2016
توقيع: ذ. المصطفى المعتصم وذ. سعيد الرهوني

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث