logo

كي لا نسمح للإرهابيين أن يفرضوا أجندتهم علينا

moatassem7

منذ أسابيع ضرب الارهاب الداعشي بقوة في إستامبول وكان هدف داعش ارباك الوضع الداخلي التركي وخلط أوراقه وبعثرتها حتى يتسنى لداعش اللعب على التناقضات التركية التركية والتركية الكردية ومنع تركيا من التراجع عن دعمها لجهات محسوبة او قريبة من داعش ومشتقاتها أو على الأقل فرض حياد سلبي على الأتراك كي لا يفتحوا جبهة جديدة على داعش . ويوم 12نونبر 2015 عاد الإرهاب الداعشي من جديد ليحاول خلط الأوراق في لبنان فضرب بقوة قلب الضاحية الجنوبية لبيروت الحاضنة الشعبية لحزب الله وهز العاصمة الفرنسية باريس بعدها بيوم واحد أي يوم 13 نونبر 2015 .

و هكذا لم يكد العالم يستفيق من هول الصدمة التي أودت بحياة أكثر من أربعين بريئاً وعدد مضاعف من الجرحى اللبنانيين والفلسطينيين الذين يتواجدون بقوة في منطقة برج البراجنة حيث واحد من أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان ، حتى ضرب الارهاب عدة أرجاء من العاصمة الفرنسية مخلفا حصيلة ثقيلة حيث لقي أزيد من 129 شخص مصرعه بالإضافة إلى المئات من الجرحى حالة بعضهم خطيرة مما يرشح ارتفاع عدد القتلى .
في لبنان، بدا واضحا أن هدف العملية الارهابية لم يكن فقط قتل أكبر عدد من المدنيين فحسب، بغاية الانتقام من حزب الله وجمهوره ، بل كان الهدف أيضا هو زرع بذور الفتنة بين اللبنانيين أو السواد الأعظم منهم ( الشيعة وحلفائهم ..)واللاجئين الفلسطينيين المتواجدين بكثرة في المجال الذي ينتشر فيه حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت وتحديدا في مخيمي برج البراجنة وصبرا وشاتيلا . هذا ما يفسر اسراع تنظيم الدولة الإسلامية في الإعلان عن "الهوية الفلسطينية" للجناة عبر نشر أسماء وصور ثلاث من أربع من قال البيان أنهم المنفذين للعمليات الانتحارية وهم : حامد رشيد البالغ (فلسطيني) و عمار سالم الريس (فلسطيني) و خالد أحمد الخالد ( سوري) . أي كان واضحا إذن أن الجهة التي تقف وراء التفجيرات كانت تسعى لاستغلال الفوضى والارتباك والغضب والرغبة في الانتقام الذي يتبع عادة مثل هذه العمليات للعب بورقة الفتنة الفلسطينية اللبنانية ( الشيعية على وجه الخصوص) كمذخل لإعادة إذكاء الحرائق المذهبية، وتعميم الفوضى والفلتان الأمني في لبنان بعدما يئست من إشعال الفتنة المذهبية السنيّة – الشيعية، في كل المرات السابقة التي قامت بها بعملياتها الإرهابية في طرابلس أو صيدا أو الضاحية الجنوبية لبيروت . لكن يسجل للبنانيين والفلسطينيين أنهم بحسهم ووعيهم وسرعة بديهتهم وعبر التحرك السريع لقيادة حزب الله وللقيادات الفلسطينية خصوصا حركة حماس قد فوتوا الفرصة على الإرهابيين ولم يمكنوهم من الوصول إلى مبتغاهم.
في أوروبا وفي فرنسا تحديدا كان التهديد بالإرهاب افتراضيا محتملا لكنه لم يعد كذلك ، إذ تحولت باريس يوم الجمعة 13 نونبر 2015 إلى ساحة حرب وحصل فيها ما يمكن أن نسميه "11 سبتمبر" فرنسي / أوروبي بكل المقاييس والمواصفات . ولكن لماذا ضرب الإرهاب فرنسا بهذا العنف والقوة ؟ وما هي الرسالة التي أراد الإرهابيون إرسالها عبر فرنسا إلى العالم عامة وأوروبا وأمريكا خاصة ؟!.
قد يبدو من اللحظة الأولى أن الإرهابيين الذين خسروا العديد من المواقع في سوريا والعراق في الأيام الأخيرة، قرروا الرد بعمليات استعراضية، غاية في العنف والهمجية بعيداً عن جبهات القتال وخطوط التماس ليتبثوا أنهم لم يفقدوا المبادرة وأنهم قادرون على ضرب أي كان في الوقت الذي يريدون والمكان الذي يحددون . أرادوا من خلال تبنيهم لإسقاط الطائرة الروسية في سيناء الانتقام من تدخل روسيا في الحرب السورية وأرادوا أيضا من خلال استهدافهم لباريس الانتقام من الضربات الجوية التي قامت بها الطائرات الفرنسية المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش في الأيام الأخيرة وأدت إلى تدمير معسكرين للتدريب تابعين لهم وقتل العديد من مقاتليهم ومن بينهم مقاتلين من جنسية فرنسية . لكن هل دافع الانتقام كاف لتفسير ما جرى في باريس ؟ .
شخصيا لا أعتقد، وهناك في تقديري أسباب آخرى من وراء هذه العملية الإجرامية واحد منها انطلاق مباحثات فيينا حول الحل السياسي في سوريا و داعش ومن يقف ورائها تمويلا وتسليحا متخوفين من تحول حقيقي في موقف الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية إزاء ما يجري في سوريا والعراق .
داعش ومن يقف وراءها أرسلوا إذن رسالة واضحة تماماً ، بعدما كثر الكلام هذه الأيام عن ترتيب دولي للأزمة السورية سياسيا، يقولون فيها للمنتظم الدولي و للغرب الذي وقف يوما ضد الأسد واستمرار نظامه على وجه الخصوص : لا يمكنكم اليوم أن تنووا مجرد نية في التراجع عن مواقفكم على مستوى الساحة السورية والعراقية أو تفكروا مجرد فكرة بأن يكون للأسد أي دور مستقبلا في سوريا ولو في المرحلة الانتقالية .
داعش اختارت فرنسا لارسال هذه الرسالة الدموية ربما لاعتبارات و ظروف لوجيستية. فباريس لها مكانة عالمية خاصة وقد تكون فرنسا الهدف الأكثر سهولة بالنسبة لداعش باعتبار العدد الكبير من المقاتلين الفرنسيين في صفوفها وباعتبار المتعاطفين مع داعش في فرنسا من بينهم عدد كبير قد تكون إجهزة المخابرات الفرنسية جاهلة لولائهم وتبعيتهم للداعش مما يسهل تحركهم . داعش أرادت أن تقول بهذه العمليات الرهيبة أن يدها طويلة و أن الإرهابيين التابعين لها لا حدود لعنفهم . أرادت داعش ومن يحركها أن يقولوا أنهم لا يعيرون المواقف الفرنسية السابقة أي اعتبار عندما كانت فرنسا الدولة الأكثر عداءً لنظام الأسد، والأكثر اعتراضاً على التدخل الروسي، والأكثر دفاعاً عن الفصائل المعارضة الأخرى التي تقاتل في سوريا في إطار حلفها غير المعلن ، مع دول إقليمية وخليجية.
داعش ومن يقف وراءها يعتقدون أن ضرب فرنسا بهذا الشكل سيكون له صدى أكبر لدى ساحات أخرى قد تكون مرشحة هي الأخرى لا قدر الله في الأيام القادمة لجرائم إرهابية مماثلة. أرادت داعش أن تقول للعالم خصوصا الغربي بأن لا أحد في مأمن من إرهابها وإرهابييها ، حتى وإن كان في يوم ما من الملتقيين موضوعيا بمواقفه وأجنداته وسياساته، مع أهداف داعش ومن يقف وراء داعش وحتى ولو كان قد أظهر يوما استعداداً لغض الطرف عن أعمالهم الإجرامية، تحت حجج وذرائع شتى، أو خدمة لأغراض وأهداف انتهازية آنية أو استجابة لجشع وأطماع اقتصادية . أراد من يقف وراء هذه الجرائم النكراء في حق الإنسانية أن يقول بملئ الفم بأن لا مكان للتراجع عن ما بدأ من ترتيب منذ أربع سنوات وأي نهاية لما يجري في سوريا والعراق غير تلك التي تريدها داعش ومثيلاتها ومن يقف ورائهم معناها نشر الفوضى في كل العالم والغرب وأوروبا تحديدا . أرادوا أن يقولوا أن المقاتلين الذين تم تسهيل ذهابهم إلى منطقة الشرق الأوسط على أساس القتال في سوريا والعراق يجب أن تظل رحلتهم إلى هناك من غير عودة تحت عنوان : الانتصار في بلاد الشام أو الموت. وأي ترتيب سياسي يعني عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية سيعني بالضبط نقل الصراع الدموي وتكرار ما جرى في باريس من قتل وسفك للدماء واثارة للفوضى والقيام بأعمال إرهابية إنتقاما من من خدلوهم إلى قلب هذا الغرب . .
أنوه إخيرا أن داعش ومن يقف ورائها يعرفون جيدا ما يفتعل داخل المجتمع الفرنسي والمجتمعات الغربية من تناقضات قديمة برزت اخيرا بشكل واضح عقب موجة اللجوء السوريين والعراقيين والليبيين والأفارقة وغيرهم . وكما حاولت في لبنان اللعب على وتر هذه التناقضات بين اللبنانيين والفلسطينيين والسنة والشيعة ستحاول داعش بإجرامها هذا أن تستغل بعض ردود الأفعال العنصرية والتصريحات السياسوية غير المسؤولة والتوظيف الانتخابوي لبعض رجالات السياسة الفرنسيين لما حدث لزرع المزيد من التنافر والتباعد بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين ليس فقط في فرنسا بل في عموم الغرب حتى تستطيع أن تقنع البسطاء بطرحها القائل أن تمة حرب صليبية يقودها الغرب الصليبي ضد الإسلام والمسلمين وتستطيع استقطاب المزيد من الأتباع خصوصا لدى الفئات المهاجرة والجيل الثالث منهم على وجه التحديد..
هجمات باريس و الضاحية الجنوبية لبيروت وقبلها هجمات إستامبول والطائرة الروسية وغيرها تؤكد أننا إزاء حرب عالمية يقودها الإرهابيون وإزاء عولمة للفعل الإرهابي لا بد أن يواجه بتنسيق دولي وحرب تخوضها الأمم والشعوب ضد هذا السرطان الذين يتهددنا ولا أحد يمكنه أن يدعي اليوم أنه في مأمن من ضرباته واعتداءاته . على فرنسا ووراءها أوروبا وكل العالم أن لا يخلصوا إلى أن داعش هي فقط من يقف وراء الاعتداء وهي من يتعين استهدافها و يتم نسيان من وراء داعش تمويلا وتسليحا ... لا بد من إيقاف عند حدهم من كانوا السباقين إلى صنع هذا الفراكينشتاين المرعب وأخراج هذا المارد من قمقمه، وتمكينه من كل أسباب القوة والتمكين، وتقديم أفضل التسهيلات الاستخباراتية والتسليحية لمقاتليه . لا بد أن يقوم كل من ساهم في إيجاد الوضع الحالي بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا وليس الفرنسيين وحدهم بمراجعات النقدية الحقيقية لما فعلوه ويفعلونه بهذه المنطقة وشعوبها ويقوموا بكل ما يستوجب لتجاوز العقبات التي تمنع الوصول إلى الحلول السياسية للأزمات والمشاكل التي تعصف بالمنطقة وجعل حد للمحاولات التفكيك التي استهدفت بعض دولها كالعراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر عن سابق ترصد وإصرار من طرف قوى دولية وإقليمية..
آن الأوان لوقف الاستقطابات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبث جذور النزاعات و الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية التي اتضح اليوم للجميع أن شراراتها لن تحرق دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وشعوبهم فقط، بل وستمس بالأمن والاستقرار الدوليين . آن الأوان لكي نجعل أولوية الحرب على الإرهاب بعيدة عن التوظيف السياسيوي حيث يتم مرة قمع تطلعات الشعوب نحو الحرية والديمقراطية باسم مواجهة الإرهاب والإرهابيين ومرة بترتيب الوضع الداخلي وابعاد فعاليات سياسية وطنية عن العمل السياسي بوسمهم بتهمة الإرهاب ومرة زعزعة الأنظمة التي يقدر الغرب أنها مارقة بنعتها بأنها راعية الإرهاب ومرة في الترتيب الجهوي والإقليمي لمنطقة ما .
الارهاب داء عضال قاتل وكأي داء من هذا القبيل لا بد أن تكون مقاربته مقاربة شاملة ولا يكفي علاج أعراضه فقط بل الذهاب بعيدا في البحث عن دواعيه ودوافعه وفهم أسبابه الفكرية والفقهية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية . في فرنسا اليوم حوار واسع حول ما جرى يوم 2015/11/13 . حوار فيه في العديد من الأحيان الكثير من العلمية والواقعية والموضوعية وفيه أيضا في أحيان أخرى الكثير من الغثائية والدماغوجية والغوغائية الانتخابوية.
في فرنسا اليوم فرنسيين ممن يوصنفون من الجيل الثالث المنحدر من المهاجرين ، الكثير منهم يعيش التيه وفقدان البوصلة واشكالية الانتماء والهوية . وللأسف الشديد هؤلاء اليوم مجال خصب لاستقطاب الانتحاريين والإرهابيين . هؤلاء قضيتهم قضية فرنسية فرنسية ووحدهم الفرنسيين عليهم أن يجيبوا على السؤال المركزي الكبير : لماذا هناك قابلية و ميولات نحو التطرف في كل أشكاله وليس الديني فقط لدى هؤلاء الشباب ؟ لماذا عند هذا الشباب كل هذه القابلية والاستعداد للإساءة لوطن آواهم ولمواطنين أبرياء يشاركونهم المواطنة ويعيش العديد من العاطلين من هؤلاء الشباب على المساعدات التي تتأتى لهم من دافعي الضرائب الذين هب الإرهابيون يوم الجمعة 13 نونبر 2015 لقتلهم بدم بارد ؟ ولماذا أخفقت منظومة القيم الفرنسية والمنظومة التربوية الفرنسية في إدماج هؤلاء الشباب إدماجا حقيقيا ؟! أين الخلل ؟! وكيف السبيل إلى تصحيحه؟!.
أتمنى أن لا ينجح المتطرفون الإرهابيون في فرض أجندتهم وتصورهم في العلاقة التي يجب أن تسود بيننا وبين الغرب عموما وفرنسا خصوصا وأقول" لصائدي المنح " من العنصريين أن الحل ليس في طرد الأئمة وإقفال المساجد وسحب الجنسية فهذا ما يريده المتطرفون الإرهابيون بالضبط : يريدون تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام . وعلينا أن نعمل سويا لكي نجعل العالم دار أمن وسلام وتلاقح وتفاعل الحضارات . فرنسا كانت ويجب أن تظل دار الحرية والمساواة والأخوة ، وأكيد أننا اليوم إما أن نقود سفينة البشرية إلى ما يحييها أو ستنجرف نحو مهاوي الصراعات والحروب القاتلة . العالم قرية صغيرة بالفعل اليوم وليس لأحد أن يتصور أن يعيش في الأمن والسلم والرفاه وكأنه في جزيرة وهو محاط ببحار هائجة من الاضطراب والقمع والمصادرة والضياع . أتمنى في هذه المرحلة الدقيقة أن يتكلم العقلاء ويتحاور العقلاء ويبحث عن الحلول للمآزق الحالية العقلاء .
المعتصم المصطفى
الرباط في 15/11/ 2015

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث