logo

آليات اختراق الإسلاميين الدولة والمجتمع: المغرب نموذجاً

pjdmurunion

مع انطلاق الحملة الانتخابية، استعدادا لتشريعيات 7 أكتوبر 2016، اعتبر عبد الاله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية من الرباط أن الماتش "سلا"، هو لم يكن يقصد بطبيعة الحال الملعب الذي سيتنافس فيه انتخابيا متمثلا في دائرة "سلا"، بل كان يقصد أن المباراة انتهت، حتى قبل أن تبدأ، شيء شبيه ب"نظرية" نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما، لكن بقناعات الاسلام السياسي.

ما كان مثيرا أيضا في حديثه أمام الجموع التي حضرت من مختلف مناطق المغرب، هي تلك الانتقائية في سرده لمراحل تدرج مشروعه الاخواني، وتقديم تطور وانتشار الاسلام السياسي في المغرب، كما لوأنه كان بمجهود ذاتي، وهذا غير صحيح، لأن خلق التيار الديني ورعايته كان قرارا دوليا أولا، كـ"حل" من حلول الصراع بين الشرق والغرب، بين الاشتراكية والرأسمالية، بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا، ل"لجم" انتشار" الأفكار اليسارية في الدول الاسلامية الحليفة للغرب ولأمريكا أساسا، ثم كان قرارا محليا في دول اسلامية كثيرة، للوقوف أمام مطالب الشعوب التواقة للتحرر من التبعية ومن الجمود على حد سواء، ولحصر وتبديع وتفسيق وتكفير حاملي الفكر الديمقراطي، لتشويههم ولإضعافهم، لأنهم كانوا في أغلبهم من اليسار، هذه هي أسباب "نزول" و"تنزيل" فكر "الاخوان" في مختلف الدول الاسلامية.
"اخوان" ابن كيران في المغرب كما في غيره، لم يكونوا يحملون أي مشروع وطني، كما لم يكن لهم أي هدف من أهداف الدولة الوطنية الديمقراطية.
"اخوان" ابن كيران في المغرب كما في غيره، مجرد "وحش" صغير، استعمل ل"التخويف" و"للترهيب"، لكن "الوحش" الصغير كبر، وشب عن الطوق، ولم يعد يقنع ب"أدواره الأولى"، وأصبح يطمح في أدوار البطولة وفي تولي الاخراج، بل والاستفراد بكتابة سيناريو الشعوب من المحيط الى الخليج.
"اخوان" ابن كيران في المغرب كما في غيره، يقودون شعوبهم للفتنة والحروب الأهلية وهم في غاية الانتشاء، فالشعور بالقوة مخدر قوي يبلد الحواس، ويعمي عن الحق، وواهم من يظن أن المغرب سيكون استثناءا في مخططات التخريب التي استعمل فيها "الاخوان" لتفجير المجتمعات والدول والأنظمة من الداخل، فبوادر هذا المصير أصبحت أكثر وضوحا اليوم.
النظام المغربي منذ أكثر من ثلاثين سنة على الأقل وهو "يربي" هذا الوحش، انتشار أفكار الاسلام السياسي في المغرب لم تكن جهدا فرديا لابن كيران، لا، ما قدمه النظام أو "التحكم" بمصطلح منتوج "التحكم"، لهذا "الفكر" ورعايته لمختلف تمظهراته، هوما قوى التيار وسط المجتمع، ابن كيران وجماعته وحركته وحزبه لا يد لهم في الانتصارات التي حققوها والتي يتبجحون بها، الا بمقدار بسيط.
ابن كيران يرجع لأربعين سنة خلت، ليذكر الحاضرين بمسار "الاخوان" في المغرب، لكنه يتحاشى الاعتراف بأنه تلقى "الدوباج" غير الشرعي من نفس النظام المستهدف منه اليوم بمفهوم "التحكم"، انه بكل بساطة يعض اليد التي أطعمته وأمنته وأخرجته لضوء الشمس.
لا توجد بلاد عربية أو اسلامية واحدة، نجت من تخريب "الاخوان" بدرجات متفاوتة، من الحرب الدولية الى الحرب الأهلية مرورا بالتسلط على المجتمعات، والخريطة أمامكم، ويا قلبي لا تحزن.
المغرب لديه فرصة لكي ينجو من مصير مظلم يتم التخطيط له، المشكلة في تنظيم "الاخوان"، هو أنه تم استعماله واللعب به واستخدامه في العالم، وكان دائما ما يعتقد أنه هو الماسك بزمام الأمور، لكنه كان مجرد أداة لتفتيت المجتمعات وتفجيرها وزرع الفتنة داخلها ودفع الأوضاع الى التأزيم، لكن اذا أراد بلدنا النجاة، يجب عليه الابتعاد عن الارتجال في أمور خطيرة، وعليه أن يتحلى بثقة أكبر في نفسه، فمسيرة البيضاء الأخيرة لم يكن لها أي داعي، ولم يكن لها أي محل من الاعراب، لأن المغرب وصورة المغرب تستحق منا أفضل من هذا التهريج بكثير.
مجابهة مخطط "الاخوان"، ليس أمرا بسيطا يمكن أن ينجح فيه المغرب بـ"مواطنين" يرفعون شعارات لا يفهمونها، كما أنه في كل صراع أفكار، الايمان بالقضية أمر حاسم، ولهذا يمكن لشخص واحد مؤمن بقضيته أن يكون تأثيره أكبر وأوسع وأرفع من عشرات الآلاف ممن لا يعرفون حتى اسم "المعركة"، ولماذا هم هناك.
مجابهة مخطط "الاخوان"، لا يمكن أن يتم باعتبار ممثليهم في المغرب، مجرد "ظاهرة انتخابية"، يمكن أن نتخلص منها باستحضار من سيفوز عليها، كما لو أن "الاخوان" بهذا، سيختفون، وسيتبددون، وسيغيبون عن الساحة.
منذ أن بدأت في سماع مصطلح "التحكم" وأنا أرى أن ابن كيران عليه أن يشكره عوض أن يهاجمه (إذا التقاه)، فطيلة هذه السنوات كانت هناك في مجابهة مخطط "الاخوان" الاستراتيجي، تكتيكات صغيرة و"حروب" أصغر، لا شيء استراتيجي، كل العوامل التي ساهمت وتساهم في تقوية هذا التيار، مازالت كما هي في بلادنا، فأين هو هذا "التحكم"؟
خطورة مخطط "الاخوان" في المغرب، تكمن في أنه وجد "مظلة" ليحتمي بها حتى يستمر في التغلغل في الدولة والمجتمع، وهو مفهوم "التحكم" هذا، انه يلهي الأطراف السياسية المعارضة منها والحليفة بهذا "الصراع"، فيما هو يكمل مخططه في التمكين لمشروعه داخل المجتمع باستغلال امكانات الدولة والبلديات وتوفير أموال لدعم الجمعيات الموالية له، وبشراكة في كثير من الأحيان مع مجالس "علمية" محلية، فيها أعضاء معروفون بتأييدهم لمشروعه، سواء عبر كتاباتهم أو عبر استغلالهم لمساجد معروف من يعتلي منابرها.
"الاخوان" في المغرب يديرون معركتهم بمكر وخبث ودهاء، واذا أراد المغرب انقاذ نفسه من مصير مجهول، فلا يمكن أن يصور للعالم وللناس في الداخل والخارج، أن المغاربة الذين يعارضون مخططات "الاسلام السياسي"، لا يختلفون عن "النماذج" التي "نزلت" لمسيرة، قيل بأنها ضد أخونة الدولة والمجتمع، في الوقت الذي كانت فيه فقط، ضد الدولة والمجتمع بكل اختصار.
ما يساعد "الاخوان" على تنفيذ مخططهم بسهولة، هي أن المغرب لديه نظام تعليمي فاشل، ومشروع ثقافي فاشل، ومخطط اعلامي فاشل، طبعا هناك بعض الاستثناءات، لكنها مجرد نقطة في بحر "التلفيق" و"التلبيق" و"التخربيق".
ما يساعد "الاخوان" على تنفيذ مخططهم بسهولة، هي أن التركيز منصب على حزب "العدالة والتنمية"، في حين أن هذا الحزب بدون حركة "التوحيد والاصلاح" مجرد محارة فارغة، ولأن أكثر من 80 في المائة من مجهود التعبئة والاستقطاب تقوم به الحركة لا الحزب، وتقوم بذلك بناء على خطاب ديني ايديولوجي دوغمائي، لا سياسي نسبي، الحزب ومرشحيه لا يمكنهم أن يصنعوا أي نصر دون التجييش الذي تقوم به الحركة في مختلف المدن، كما أن كثير من برلمانيي الحزب كانوا يقومون بزيارة شكر لمقرات الحركة بعد فوزهم، ولذلك، عندما يكون لب حزب ما وعموده الفقري حركة دينية، فان ادعاءه بكونه "مجرد" حزب سياسي، هي عملية نصب فكري على الناس، لكن يجب الاعتراف أنه نجح في تمويهه الى حد بعيد.
عندما يكون الاستقطاب والتعبئة والتجييش الايديولوجي يقوم على أساس ديني، فان التصويت بالنسبة للأعضاء والمتعاطفين يطغى عليه الطابع العقدي، لا السياسي، أي أن التصويت على "العدالة والتنمية" في كثير من ملامحه، لن يكون بناء على الحصيلة الحكومية، بل أكثر من هذا، فحتى لو أوصل الحزب الديني مجتمعه الى القعر والحضيض، فانه لن يعدم من سيصوت عليه، لأنه يعتبره مجرد "خطوة" في انتظار "التمكين" النهائي الذي "يشغل" بال كل اخواني في هذا الكون، وليس فقط في المغرب.
في نفس "خطبته"، حاول ابن كيران أن "يمن" على البلاد وعلى النظام، مذكرا بقراره عدم "المغامرة" بمؤسسات واستقرار المغرب في 2011، لكنه يعلم أن هذا كذب، فعدم "المغامرة" موجود، لكنه مدفوع بتحليل مختلف للأوضاع، ففي كتاب "الحركة الإسلامية وإشكالية المنهج"، يقول ابن كيران (تغيير السلطة لا يغير الشعب، ولكن تغيير الشعب يغير السلطة)، ويضيف (نحلم بالخلافة الراشدة، وهذا أمر مشروع، وكلنا يسعى إليه، وهو واجب علينا كمسلمين)، ثم يؤكد بأن (الحركة الإسلامية لديها قدرة كبيرة على الانفجار في وجه الحكام والثورة عليهم وإسقاطهم، فهي التي أسقطت الملك فاروق في مصر، ولكن الذي أخذ المبادرة هو الجيش، وهي التي أسقطت لحبيب بورقيبة في تونس، ولكن الذي أخذ الحكم هو بنعلي .. لم تستفد الحركة الإسلامية شيئا، بل استفادت السجون والويلات .. فتبين لنا أننا نملك فعلا كحركة إسلامية أن ننفجر ونُفجر معنا أشياء وأن نسقط مشروعيات، ولكن كنا سنستعمل أنفسنا ككاسحات ألغام لصالح الجهات التي سوف تكون المستفيدة حيث لسنا الطرف الأقوى)، هذا هو المنطق الذين دفع ابن كيران لعدم الركوب على "الخريف العربي"، وليس "حرصه" على النظام المغربي أو استقرار المغرب.
"الماتش سلا"، حسب تعبير ابن كيران، ونحن نتمنى أن تعي طبقتنا السياسية، أنه كيفما كانت نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة، فالأكيد أن "الماتش".. عاد بدا.
شادي عبد الحميد الحجوجي. المصدر: صحيفة "الأحداث المغربية". عدد 28 شتنبر 2016. العنوان الأصلي للمقال: "بنكيران من الرباط: "الماتش سلا".

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث