logo

التوحيد والإصلاح.. مؤتمر وأزمة قيادة

raissouni2

تنطلق اليوم الجمعة بالرباط أشغال الجمع الوطني الخامس لحركة التوحيد والإصلاح، الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية، الذي يقود حاليا الحكومة في شخص رئيسها عبد الإله بنكيران. ويعدّ هذا المؤتمر محطة مهمة لتقييم مسيرة الحركة وعرض نقط قوتها وضعفها، وهي مناسبة أيضا لتقييم حصيلة عمل القيادة السابقة وتحديد أولويات هذه الحركة وتوجهاتها المرحلية قبل أن تنتخب قيادة جديدة.

فعلى المستوى الأول، أي تقييم حصيلة المرحلة السابقة، فقد لاحظ المراقبون لتجربة الإسلام السياسي بالمغرب أن أداء الحركة تأثر بشكل كبير مع التحاق الأكثرية الغالبة من أعضائها بالعمل الحزبي في إطار حزب العدالة والتنمية. وقد خلف الرحيل نزيفا كبيرا داخل الحركة، لم تستطع أن توقفه منذ المؤتمر الاستثنائي للحزب سنة 1996. كما زاد انحصار عمل الحركة في الوظائف الثلاث (التربية والدعوة والتكوين) من تعميق هذه الأزمة، بحكم أن غالبية أعضائها لم يروا أي جاذبية في هذه الوظائف، فالتحقوا بالهيئات الأخرى الحزبية والنقابية والاجتماعية.

ويشهد لهذه الأزمة أداء الحركة وحضورها الباهت على المستوى المجتمعي وضعف نسبة الاستقطاب فيها، والتي لا تعلنها للرّأي العام مثل ما يحدث في جماعة العدل والإحسان. فباستثناء بعض الحملات التي تهمّ العفة ومحاربة الغش، وباستثناء الدور الذي يقوم به ذراعها الإعلامي، أي "التجديد"، التي تعاني هي الأخرى من أزمة بنيوية عميقة يتحمل مسؤوليتها مديرها السابق مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الحالي، فقد غطى حضور حزب العدالة والتنمية على أنشطة الحركة تغطية كاملة.

أما على مستوى توجهات الحركة للمرحلة المقبلة فلا جديد يُذكر، بل ما زالت الحركة تعيد الأسطوانة السابقة نفسها بكونها تساهم في نشر قيم التدين وترشيده وتشترك مع الغير لدعم قيم الإصلاح، وفق ما جاء في افتتاحية "التجديد" ليوم أول أمس الأربعاء، في حين لا تظهر على أرض الواقع أي شراكة مع مكونات المجتمع ولا مع هيئاته الرسمية ولا المدنية، ذلك أن الأنشطة التي تنظمها الحركة فقدت جزءا كبيرا من بريقها الإعلامي، وقلّ مستوى الحضور بشكل لافت. أكثر من هذا، فالحضور الفكري للحركة تراجع بشكل كبير بالمقارنة مع تجربة التسعينيات، التي عرفت إنتاجا فكريا غزيرا لعبت كتابات محمد يتيم وسعد الدين العثماني وأشرطة المقرئ الإدريسي أبو زيد ومجلة "الفرقان"، التي كان يديرها العثماني، دورا كبيرا في تبويئها مكانا معتبرا في المشهد الفكري.

الجانب الإيجابي الوحيد الذي يمكن أن يُسجَّل لحركة التوحيد والإصلاح في هذه المرحلة هو أنها عرفت ضبطا تنظيميا صلبا بحكم التخصص الذي يشغله رئيسها، الذي كان يمثل العقل التنظيمي للحركة منذ تأسيسها.

أما على مستوى قيادة الحركة فهناك ما يشبه الإجماع على أن هناك أزمة حقيقية مغلّفة بصمت غير مبرر.. لاحظوا كيف أننا على بعد بضع ساعات من المؤتمر، ومع ذلك لم يتم إلى حد الآن تداول أي اسم بارز ومقنع للجميع يمكن ترشيه لخلافة الحمداوي، كما أن هناك تخوفا شديدا لدى أعضاء الحركة من أن يؤدي هذا الفراغ إلى صعود "نجم" مولاي عمر بن حماد رغم أن السيد بسيط جدا وبصفر مؤهّلات تعود إلى العصر الحجري، ولا علم له بما يجري في هذه الدنيا سياسيا ولا إعلاميا ولا تربطه علاقة بالمجتمع ومكوناته ورموزه، وهذا ليس تحاملا، بل اسألوا عنه طلبته في الجامعة، الذين كان يبيع لهم "زيت العود" عوض تلقينهم العلم والفكر والمعرفة.

نعم، ينبغي الاعتراف بأن الخبرة التقنية والتدبيرية لمحمد الحمداوي كمهندس ساعدت الحركة في تدارك العديد من نقط الضعف في مؤهلات القيادة، ذلك أنه أدار المرحلة بأخطاء قليلة وإن كان بحضور إعلامي وبدفاع غير عقلاني أحيانا عن مواقف العدالة والتنمية، سواء كان مصيبا أو خاطئا.

خلاصة القول: سيكون هذا المؤتمر الوطني للتوحيد والإصلاح بمثابة الشهادة على أزمة القيادة في الحركة، والتحدي المطروح أمامها هو كيف ستقدم جوابها عن هذه الأزمة وأي نموذج قيادي ستخرج به الاستحقاقات الانتخابية ليوم غد السبت؟ وهل سيرسم هذا المؤتمر أفقا جديدا للحركة يدفعها إلى فهم تنويري ومنفتح للنص الديني أم أنها ستختار تكرار أخطاء الماضي بقراءة أكثر انغلاقا للدين؟

مصطفى الفن

افتتاحية صحيفة الناس، الدار البيضاء، عدد الجمعة، 08 غشت، 2014

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث