logo
Back أنت هنا: الحركات الإسلامية ذاكرة الحركات الإسلامية هكذا زرع الإسلاميون الجزائريون السلفية في أوروبا

هكذا زرع الإسلاميون الجزائريون السلفية في أوروبا

 belhaj et islamistes

دفع توقّف العملية الانتخابية في الجزائر، مما حرم جبهة الخلاص الإسلامية من السلطة، بعض قادة الجبهة وناشطيها ومؤيّديها إلى مغادرة البلد والإقامة في فرنسا وبريطانيا العظمى وألمانيا وبلجيكا. ووجد بعضهم ملجأ في كندا حيث ينتظمون ـ حالياً ـ حول أحد أهمّ المساجد في مونتريال: مسجد السنّة النبوية. ودفعت طبيعة النظام السعودي في تسعينيات القرن العشرين بعض السلفيين للتوجّه إلى الغرب.

تلك على وجه الخصوص حال محمد سرور زين العابدين الذي تتطابق أفكاره السياسية مع أفكار علماء الدين السعوديين الذين انشقّوا عن النظام الملكي السعودي، مثل سفر الحوالي وسلمان العودة. وكان محمد سرور في التسعينيات إمام مسجد مهمّ (المنتدى) في بارسونز غرين (ضاحية من ضواحي لندن). وبالنظر إلى شدّة انتقاده للنظام الملكي السعودي والمحسن الرئيس المموّل للمسجد، فقد أجبر على الاستقالة سنة 1995. فاستقرّ في منطقة ويمبلي وأسّس، إلى جانب الاقتصادي الجزائري أحمد بلوافي، مركز الدراسات الإسلامية في بيرمنغهام. وأنشأ مجلّة "السنّة".

كما أنشأ موقعه الإلكتروني، بمساعدة عدد من الإسلاميين الجزائريين من جبهة الخلاص الإسلامية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأصبح منتدى للإسلاميين السعوديين. وأنشأ تلاميذه جمعية إحياء منهاج السنّة، بقيادة أبي منتصر الباكستاني.
في فرنسا، قاد هذا الميل ـ الذي اندثر إلى حدّ كبير الآن ـ مقاتلون اعتنقوا الرؤية السياسية للإسلامي الجزائري علي بلحاج الذي كان يتردّد على مساجد ميرها في الدائرة (18) في باريس. ويمكن إيجاد هذا الميل المؤيّد لجبهة الخلاص الإسلامية في مسجد في مدينة فالنس في جنوب فرنسا، حيث حاول مؤيّدو علي بلحاج حشد الأتباع في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومن أكثر المشاركين فاعلية فريد عويدي، وميلود بورزيق، ومراد زمور. وقد أقام الأخير في المدينة بين سنتي 1995 و1996 إلى جانب فريد زمور، وشارك كلاهما في حملة تخريبية مناهضة لفرنسا والجزائر إلى جانب الحجّاج المغاربة. وأخيراً، دافع القائد الكاريزمي فريد بن يطو ـ أيضاً ـ عن الرؤية السياسية للسلفية، وهو فرنسي جزائري في العشرينيات من العمر، كان خلف إرسال الشبّان إلى العراق لمحاربة القوات الأميركية. وبعد اعتناقه التام لرؤية علي بلحاج وآرائه، أصبح ملمّاً بالأيديولوجية السلفية لجبهة الخلاص الإسلامية عن طريق دعوة صهره، الذي كان عضواً في الحزب الإسلامي الجزائري. وفي أوائل القرن الحادي والعشرين استقرّ في الجزائر لاستكمال دراسته الدينية، بالاشتراك مع أعضاء سابقين في جبهة الخلاص الإسلامية. وقد اعتُقل في يناير (كانون الثاني) 2005 لأنشطة إرهابية. وتجدر الإشارة إلى أنه نظراً إلى مناخ القمع السائد حالياً، فإن هذا الشكل من أشكال السلفية ينسجم اليوم على نحو متزايد مع الأهداف السياسية للسلفية الانعزالية وتعاليمها.


العمل السياسي
لذا يمكن أن يقوم السلفيون (التسويغيون) بالنضال السياسي في نوع من النمط المعارض العابر للحدود الوطنية. ويبدو أن هناك إلغاء لٌلإقليمية وانتقالاً للنشاط الإسلامي نحو الغرب، وتتكوّن أهدافه الرئيسة من تجنّب القمع المستمرّ، ومراكمة الموارد في الغرب بغية تخصيصها في النهاية للمفاوضات مع السلطة السياسية المعنية ودول المنشأ. وبتحوّلهم إلى قوة معارضة موجّهة ضدّ احتكار الأنظمة في مسائل التعبير السياسي والديني، فإنهم يقدّمون أنفسهم بمثابة عوامل يقومون بما يلزم لإحلال الديمقراطية. وهم يشاركون بانتظام في الاحتجاجات التي تشجب الوضع السياسي الحالي، وتدعو إلى سياسة انفتاح جديدة في بلدانهم. كما أن السلفيين يعتمدون المخزون الغربي للفاعلية، ويستغلّون الفرص التي تقدّمها مختلف المؤسسات، ويتقبّلون الإطار السياسي الغربي الذي يُتاح لهم (ومن ثم حضورهم في مجالس إدارة مثل مجلس المسلمين الفرنسيين، أو وجود الأئمة في المساجد المحلية أو اندماجهم في مشهد التعاون الإسلامي).
نجد في أوروبا وأميركا الشمالية ميلاً آخر داخل السلفية السياسية (التسويغية)، يتركّز ـ أساساً ـ حول الحاجة إلى الدفاع عن المسلمين عبر العمل السياسي (المظاهرات، والالتماسات...). وتدعو هذه الحركة التي تحبّذ العمل السياسي في إطار القانون إلى اندماج المسلمين في المشهد السياسي والاجتماعي المحلي بتشجيعهم على التسجيل في لوائح الناخبين والاقتراع. ولا يهتم ممثّلو هذه الحركة كثيراً في ما يحدث في بلد المنشأ، ويضمرون آراء دينية واجتماعية محافظة جداً، وغالباً ما تكون منظماتهم جماعات مسلمة أقلية تضم بضع عشرات من المسلمين المقاتلين. وهم يحاولون إقامة نظام "للمواطنة الإسلامية" يعرض أن يكون متحدّثاً رسمياً متميّزاً إلى جانب أصحاب العلاقة المحليين والوطنيين في مسائل الدين والعنصرية والجريمة في أحياء الطبقة العاملة. وفي مسعى لتعيين حدود خارجية أفضل لنسخة غربية من الإسلام، فإنهم يعرضون –أيضاً- على الشبّان ذوي الثقافة الإسلامية نموذجاً للاندماج يقوم على النموذج البريطاني المتعدّد الثقافات، الذي يتيح تثبيت هوية المرء الغربية والإسلامية دون أن يعني ذلك -على الإطلاق- الاستيعاب في الثقافة السائدة.
ومع أن دعاة هذا الاتجاه يختلفون عن الإخوان المسلمين في أميركا الشمالية وأوروبا، فإنهم يشتركون معهم في استراتيجية التغلغل في الحياة السياسية والمجتمع المدني. فيترشّحون للانتخابات، ويحشدون للمظاهرات دفاعاً عن مصالح المسلمين الغربيين. ولأن بعض السلفيين يدركون تماماً وجوب إجراء ائتلافات سياسية لحمل المجتمع على ضمان شروط الانتماء وممارسة الشعائر الدينية للمسلمين، فإنهم يسعون إلى دخول الندوة البرلمانية بغية إصلاح المجتمع، وبالتالي ضمان حيّز من الحرّية الدينية. ومن بين الحركات والشخصيات التي تنتمي إلى هذا النموذج.
يمكننا أن نذكر المجلس الإسلامي المركزي في سويسرا، الذي أنشأه سنة 2010 نيكولاس بلانكو بعد اعتناقه الإسلام. ويزعم هذا المجلس أنه يضمّ ما يقرب من (1000) عضو، ويميّز نفسه بتنظيم عديد من الاحتجاجات، والمطالبة بمزيد من الاحترام للهوية الإسلامية في سويسرا. وتجدر الإشارة –أيضاً- إلى حزب المواطنة والازدهار الذي أنشأه سنة 2002 جان فرانسوا باستان، وغادره سنة 2004 لينشئ حزب الشبّان المسلمين. ويدّعي برنامجه التمسّك بقيم الإسلام، بالإضافة إلى الاندماج مع احترام التقاليد الإسلامية، ومحاربة التمييز الذي تمارسه الدولة ضدّ المسلمين البلجيكيين. ويعبّر عن دعمه للمساعدة في الهجرة والحصول على الجنسية البلجيكية.

عمل إعلامي
بالإضافة إلى حقّ التصويت لغير مواطني الاتحاد الأوروبي، كما أنه يدعم ـ بشدّة ـ إنشاء برامج إذاعية تديرها الدولة للمسلمين، فضلاً عن إصدار أحكام بمنح إجازة مدفوعة في الأعياد الدينية للمسلمين، وإنشاء مقابر إسلامية، وإجازة تقديم وجبات حلال في مطاعم الشركات الخاصة والعامة، والامتثال للتعاليم القرآنية في المستشفيات، والحقّ بارتداء الحجاب في صور جواز السفر، وعلى العموم إنشاء نوع من النظام القانوني المستقل للمسلمين البلجيكيين انسجاماً مع الشريعة. وتدعم كل المطالب أعلاه الهدف الشامل بادّعاء انتمائهم إلى بلجيكا في مسائل الهوية الشخصية.
لكن حزب المواطنة والازدهار يظل على هامش المجتمع المسلم في بلجيكا. وهو عنيف جداً تجاه المجلس التنفيذي للمسلمين في بلجيكا، مكافئ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. فوفقاً لحزب المواطنة والازدهار، يجب أن يحرّر الإسلام البلجيكي نفسه من التأثيرات الأجنبية والروابط الزبائنية التي حافظ عليها القادة المسلمون مع الحكومة. وتقديماً لدليل إضافي على هامشية هذه المجموعة، نشير إلى أن المنظمين في (17) و(18) يناير (كانون الثاني) 2004 (لجنة "ارفعوا أيديدكم عن غطاء رأسي" القريبة من طارق رمضان) لم يجيزوا مشاركة هذه المجموعة في المظاهرة ضدّ القانون الفرنسي المتعلّق بالحجاب الإسلامي التي نظّمت في بروكسل. غير أن المجموعة شاركت في مظاهرة في باريس بشأن هذا الموضوع نظمها في 17 يناير (كانون الثاني) من الشهر نفسه حزب المسلمين الفرنسيين بقيادة محمد لطرش.
-----------
خلاصة من بحث: سمير أمغار 'إنعزاليون وسياسيون وثوريون'، ضمن الكتاب 112 (أبريل 2016) ''الإسلام في أوروبا' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث ـ دبي

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث