logo
Back أنت هنا: الرأي الفكرُ الفـلْسفيّ عنْدَ الأشْعريّة..

الفكرُ الفـلْسفيّ عنْدَ الأشْعريّة..

mohamed radi 

إنّك إذْ تحاورُ فئةً من الدّارسين المُلمّة بشيء من تاريخ الفكر الإسلامي الفلسفيّ عن تراث المتكلمين تجدُ أذهانَها مُلتفتةً، عادةً، إلى الجدل العقدي الذي كان بينَ مذاهب المتكلمينَ معتبرةً صنيعهم ترفًا فكريّا، وخوضًا في الميتافزيقا دون فائدة!، فما الذي أضافه المتكلمون أصلاً في فكر الأمة وتراثِها!؟ فإنّنا – كما يقولُ لسانُ حالِ تلك الفئة! - لمْ نرَ منهم إلا تأصيلاً لمسائل لاهوتيّة لوّثت فكرَ الأمة، وزادت من شقاقها وتصدّعها، وزكت في النفوس نظرياتُ بعض المتكلمينَ فكرَ الضعف والخرافة! فاقتضى ذلك انفكاك الصّلة بينَ الفكر الفلسفي، بما هو فكر عقلاني ذو تحرّرٍ، والفكرِ الكلامي بمَا هو فكر دينيّ غرضه إثباتُ الحقيقةِ من نظرٍ دينيّ قد يصَادِم العقل (كذا!).

لا نعجب إنْ علمنَا أن عددًا، ليس باليسير، من الأكادميينَ اليوم يأخذونَ بأشباه تلك المقالات الزاعمة، فيما أدعي!، فراغَ التراث الكلاميّ من الفائدة الفكرية، وإن رأت، في أحسن الأحوال!!، شيئًا من الفائدة في بحوث المتكلمينَ فإنها تنتقي لنفسِها بعضًا من الآراء الكلامية خصوصا منها آراء المعتزلة المعروفة كقولهم: بالحسن والقبح العقليين!.

ليسَ الغرض، الآن، حجاجَ تلك المقالة، فقد يتيسّر لي ذلك لاحقا في غير هذا الموضع، وبعد إطالة النّظر في مسائل وقضايا كثيرة بإذن الله!.

أعرض، على نحوٍ موجز، مقالة بعض نظّار الأشعريّة في مسألتين لهما صلةٌ وثيقة بالفكر الفلسفي في علم الكلام، الأولى تتعلق بتفريق المتكلمين بين نوعين من الدّرس العقدي الذي يُعنى بهما المتكلّم، وهي مسألة جعلت فيها الفلسفة ضابطا للتّفريق مما يجلّي لنا اهتمام المتكلمين بالفلسفة بداية من التّعريف الذي سأحلّل بعضَ مضامينه، والثانيّة تخصّ نظريّة "المماثلة العقليّة" التي نجد مكانًا مهمّا في كتابات المتكلمين في جانبها الاستدلالي المنطقي!.

إنّ بعضًا من هذه التقريرات الكلاميّة تنمّ عن عقل كلاميّ نظريّ باحثٍ في أصول فكريّة عقليّة يسعى من خلالها لضبط نظرة كليّة عن الوجود بما هو "بشرط لا"، بمعنى أنّ المتكلم الأشعريّ يضبط أصولَ نظريته الفلسفيّة إلى الوجود بشرط ألاّ تخالفَ قطعيّا دينيّا (=ليسَ المقصود هنا مطلقَ الدين بل المقصود الدّين الإسلاميّ) ولا عقليّا.

1- التّفريق بينَ علميْ العقيدة وعلم الكلام
معلومٌ سلفا لدى المهتميّن أن الفلسفة قديمًا تنقسم إلى أقسام رئيسيّة هي: العلم الإلهي (= الميتافزيقا بالمعنى "العام")، والعلم الريّاضي (الرياضيات، والهندسة)، والعلم الطبيعي (= العلوم التّجريبة)، ونحن، في هذا المقال، معنيون بالمبحث الأوّل من مباحث الفلسفة وهو العلم الإلهي أو الفلسَفة الأولَى لكونِه مبحثًا كليّا في الفلْسَفة، فالغرض منه– كما يقولونَ - بحث "الموجود المطلق بمَا هو موجود مطلق"(1) أي بلا قيدٍ! ولهذا عدّه الفلاسفة أشْرفَ مباحث الفلْسفة!.

فرّق المتَكلمون الأشاعرةُ بين نوعيْ البحثِ العقدي الذي يروم المتكلمُ من خلالِه عرض القضايا العقدية، وقد قلّ منْ يلتفتُ إلى هذا التّفريق المهم بين هذيْن النّوعين، حيثُ اصطلحوا على الأوّل بعلم العقَائد، وعلى الثّاني بعلْم الكلام، وجعلوا ضابطَ التّفريق بينهما اندراجَ (الفلسفة) من عدم ذلك في كتبِهم، ومدى اعتماد المتكلّم عليها في بحْث قضاياه المرادة التّقرير - وإنْ لم تخلُ كتبهم في نوعيْها من قضايا فكريّة وفلسفيّة -، فعلم العقائد بحثٌ "ما يجبُ لله، ويسْتحيل عليه، ويجوزُ في أفعاله، ومَا يوصل إلى ذلك إجمالاً لا تفصيلا" (2) فيكونُ بحث الوجود أو المعلوم –بتعبير أدقّ- ليسَ مرادًا بل عرضيّا حسبَ ما تقتضيه كلّ مسألة!، وعلى هذا يقلّ حضور الفلسفيات في هذه الكتب، ولا نقول إنّ حضورها منعدم!.

أمّا علم الكلام فهو نظر عامّ فِي "المعلوم من حيث هو" (3) أي بلا قيدٍ، كما مرّ في تعريف الفلسفة، (والمعْلوم) فلسفيّا وكلاميّا، أيضا، هو كلّ ما من شأنه أنْ يُعْلم ويُخبر عنه إخبارًا تصديقيّا دائرًا بين قيمتي الصّدق والكذب، فيصير شاملاٌ لمصاديق أحكام العقل المعروفة وهي: الواجب، والممكن، والمستحيل، وهم عند قولهم بشموله – أي المعلوم - فإنّهم يثبتونَ كلّ المباحث الفكرية الفلسفية التي يفحصها المتكلم بفكره والتي لا تخلو قضاياها عنْ كونها دائرةً بين الأحكام العقلية المذكورة، كمبحث أحكام الوجود، والعدم، ومباحث أحكام الماهيات والعلل، والتقدّم والتأخّر، وبحوث المقولات العشر وغيرها من القضايا الفلسفيّة المعروفة عندَ المتخصّصين.

والتّعبير بـ(المعلومِ) بدلَ التعبير بـ(الموجود) فيه تنبيه آخر على جملةٍ من المسائل الفلسفيّة التي وقعَ الخلاف فيها بينهم، وحتّى يكونَ تعريف الفلسفة (= أو قلِ الفلسفَة الإلهيّة/الفلسفة الأُولى) شاملاً لمذاهب فكريّة في تلك المسائل الفكريّة المختلف فيها فضّلوا التّعبيرَ بـ(المعلوم) بدل الموجود "ليصحّ (=أي تعريف الفلسفة) على رأي من لا يقول بالوجود الذّهني، ولا يعرّف العلمَ بحصول الصّورة في العقل، ويرى مبَاحث المعدوم والحال من مباحث الكلام" (4) لا الفلسفة، وبناءً على هذا التعريف لعلم الكلام من حيثُ موضوع بحثه وقضاياه يكونُ العلم أعمّ وأشمل للميتافزيقا بمعنيها العام (=المسمى قديما بالعلم الإلهي العام!) والخاص (=علم العقائد)، والمتكلمونَ وإنْ عرّفوا علم الكلام بما مرّ بك فإنهم ينبهونَ على كونِ المراد بالذّات والأصلِ "الإلهيات" بالمعنى الخاص حتّى لا يكون علم الكلام هو عينه علم الفلسفة فلا

إنّ التفريقَ الذي قرّره متأخرو الأشعريّة بين علم الكلام، وعلم العقائد يجعلنا أمامَ إشكاليات عدة كإشكاليّة اهتمامِ المتكلمينَ بالبحوث الفلسفيّة، وتوظيفهم لها في الدّرس العقدي، ومدى تميّز أجوبتهم وتقريراتهم عن أجْوبة الفلاسفة التقليديّة فنكون، إنْ حصّلنا المسائلَ التي تفرّدوا بها دون الفلاسفة، أمامَ نظّار غير مقلدينَ شيّدوا معالم التفكير الفلسفي الإسلاميّ.

2- نظريّة المُمَاثَلة العقليّة عندَ الأشعريّة:
من القضايا الفكريّة، والفلسفيّة التي تثير انتباهَ المشتغلين بالفلسَفة، وعلم مَناهج الاستدلال المنْطقي نظريّة "المماثلة العَقليّة"، ذلك أنّنا نرى حضورا قويّا لمسألة المماثلة العَقلية في شقيها: التأصيليّ، والتّنزيلي!، حيث نجد في الكتابات الكلاميّة لجوءًا إليها في بعض الاستدلالات إمّا قصدَ إبطال دعاوى الخصُوم، أو قصد تشييد دعوى المستدل بها على أمر مَا!.

والمماثلة العقلية، عندَ المتكلمين الأشَاعرة، عبارة عن اتحاد بين أمرين في "المَاهيّة"، مع تمايز بينهما فيمَا يسمَى اصطلاحا بـ"التّشخّص" وذلك كأنْ تفرض إنسانًا هو "أ" وإنسانًا آخرَ هو "ب" فإنهما يتّحدان في مَاهية الإنسَان، ولوازمِها الذاتيّة العقليّة، أي صفاتِها غير المَاهويّة! التي يحكم العقلُ بكونها لازمة لها غير منفكة!.

والتّعريف الجَامعُ لما ذكر قولُ الإمام ابن خمير السّبتي في حدّ المثلين: "كل موجودين ثبت لكل واحد منهما من جميع صفَات النّفس مَا ثبت للثّاني"(5)، فالمقصود بصفات النفس في مُواضَعات المتكلمين الصفاتُ الذاتية الماهوية الراجعة لما يسمّى بالهوهويّة!، فالمماثلة، إذن، من أحكام الماهيات، وبحوث الماهيات، كما هو معروف، من موضوعات الفلسفة الإلهيّة العامة.

وقد سَاق لنا ابن خمير السّبتي في معرض حديثه عن "المماثلة" دليلاً على حصولها بالصّفات الذاتية (=الصفات النّفسية باصطلاح المتكلمِين) لا بالصّفات العارضة الوجوديّة غير الذّاتية بقوله: "ثمّ ينبغي أنْ نوضّح لك قبل الخوض في نفي التّشبيه لماذا أن المماثلة والمخالفة إنما تقع بصفات الأنفس لا بالمعاني الزّائدة عليها، والدليل عليه أنّا نعلم أنّ المعانيَ تختلف وتتماثل مع علمنا باستحالة قيام المعنى بالمعنى، فلو كانت المماثلة والمخالفة تقع بالزّوائد لم نعلم مخالفة البياض للسواد ولا مماثلة"(6)، لكنّا مع علمنا بكون السواد مخالفًا للبياض من حيث الماهيّة، وعلمنا باستحالة قيام المعنى بالمعنى – أو العَرض بالعرض كما يعبّر المتكلّم! – استحالَ عقلاً أن نحكم على المماثلة والمخالفة بكونهما يقعان بالعرضيات أو المعاني، هذا تمام استدلاله، الذي عرضَ فيه حكمًا من أحكام المماثلة، ومن ثمّ حكمًا من أحكام الماهيّة.

لا نريد الإطالةَ أكثرَ في ذكر الجوانب "التأصيلية" لنظرية المماثلة، بعد البيان الذي مرّ بك قبلُ، فإنّ للاستقصاء موضعًا آخر!، لذلك سنورد وَجهًا من أوجه التوظيف الكلامي للنظريّة في الاستدلال على الدعاوى، فمن ذلك أنْ نجد المتكلمين يوظفون نظريّة المماثلة في "تعميم" الأحكام العقليّة على مَا لم يقع لهم الحكم عليه! فأنْهم قد يستدلّون على أمرٍ ما بسبيل استدلالي نظريّ معيّن لكنّ المتكلم بعد ذلك، أي بعد أن يقرّر الدليل على مسألة ما، يعمّمم دليله على "ما ماثل" المبحوث بعد أن يثبت التماثل، لذلك جعل الإمام الباقلاني – وهو من الأشاعرة المتقدمين – الاستدلالَ بالمماثلة طريقًا من طرق التّدليل والحجاج، مبيّنا ذلك بمثال حيث يقول: "ومن ذَلِك أَن يسْتَدلّ بِصِحَّة الشَّيْء على صِحَة مثله وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وباستحالته على اسْتِحَالَة مثله وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ كاستدلالنا على إِثْبَات قدرَة الْقَدِيم سُبْحَانَهُ على خلق جَوْهَر ولون مثل الَّذِي خلقه وإحياء ميت مثل الَّذِي أَحْيَاهُ وَخلق الْحَيَاة فِيهِ مرّة أُخْرَى بعد أَن أَمَاتَهُ وعَلى اسْتِحَالَة خلق شَيْء من جنس السوَاد والحركات لَا فِي مَكَان فِي الْمَاضِي كَمَا اسْتَحَالَ ذَلِك فِي جنسهما الْمَوْجُود فِي وقتنا هَذَا"(7).

ختامًا لا أدعي الإحاطة بالمطلوب، فاستقصاء القضايا الفلسفيّة في علم الكلام يفتقر إلى مكنة علميّة في علوم شرعيّة، والفكريّة، وإلى مزيد نظرٍ وإعمال فكر، فلعلّ الله تعالى ييسّر ذلك في كتابات أخرى، وحسبي أن أشير إلى معالمٍ من التّفكير الكلامي التي يحسن بنَا أن نهتمّ بها. والله وليّ التّوفّيق .
محمد الراضي ـ طالب في شعبة الفلسفة والفكر الإسلامي – كلية أصول الدين بتطوان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المعجم الفلسفي، د.جميل صليبا (2/162).
2 تحرير المطالب، للقاضي أبي عبدالله البكي التونسي، ص:37.
3نفسه.
4الفواكه الدّواني، لأحمد النّفراوي المالكي (1/57).
5 مقدمات المراشد إلى علم العقائد، لابن خمير السّبتي ص:155.
6نفسه.
7 تمهيد الأوائل وتلخيص الدّلائل، للقاضي أبي بكر الباقلاني، ص:12.

التعليقات   

 
+4 #1 أحمد الفراك 2017-06-14 19:29
أولا أشكر الطالب محمد الراضي الذي يرابط في قلعة المعرفة العلمية عندنا في شعبة الفلسفة بكلية أصول الدين، وهو يتمتع بحس نقدي تجاه كل المقولات التاريخية اليت فصلت فروع المعرفة وأصدرت بصددها فتاوى فكرية استئصالية تجني على العقل المسلم وتحرف الكلم عن مواضعه وتريدها عوجا...
فتحياتي إلى الطالب الباحث الواعد محمد الراضي وإلى كلية أصول الدين. وإلى الأصدقاء في موقع إسلام مغربي.
اقتباس
 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث