logo
Back أنت هنا: الرأي صورة الآخر في مقررات التربية الإسلامية

صورة الآخر في مقررات التربية الإسلامية

lamkhentarmourad

مراد لمخنتر
من محددات قياس درجة التسامح عند شخص ما أو مجتمع ما هي رؤيته لكيفية التعامل مع الآخر المختلف، وهذه الرؤية تتشكل عبر التربية منذ الصغر، ومن الصعب تغييرها عند الكبر. وعليه فالدولة التي تتوخى ترسيخ مبدأ التسامح وتقبل الاختلاف أن تسعى إلى غرس نبتته منذ الصغر، وذلك من خلال تربية الوالدين وتربية المعلمين وكذلك في البرامج التلفزية المقدمة للأطفال.

في دولة كالمغرب دينها الرسمي هو الإسلام، فإنها تسعى إلى تربية الأطفال على قيمه ومبادئه، وتشكل المدرسة أهم الوسائل لتحقيق ذلك، وذلك عبر مادة التربية الإسلامية ومقرراتها، ونلاحظ أن التربية الإسلامية تشكل مادة مكثفة تغطي اثني عشر سنة من حياة التلميذ الدراسية من السنة الأولى ابتدائي إلى الباكالوريا، ويخصص لذلك أكثر من عشرين مقررا دراسيا. لا شك أن هذا التركيز على التربية الإسلامية سيترك بصمته على تكوين التلاميذ؛ من هنا خطورته الإيديولوجية. سنخصص هذه المقالة لتقديم بعض النماذج من النصوص المقررة وسنبحث فيها عن صورة الآخر غير المسلم. وسنأخذ كنموذج مقرر التربية الإسلامية للجذع مشترك للتعليم الثانوي التأهيلي.
من بين الكفايات التي حددتها لجنة التأليف التالي :
• استثمار هذه الكفايات في بناء قناعات ومواقف واتجاهات إيجابية تجاه أحكام العقائد والعبادات والسعي إلى التعريف بها.
• انفتاحهم على الثقافات الأخرى من خلال مقارنتهم بين المعتقدات والأفكار والمواثيق الدولية.
ومن بين أهداف الدرس الأول المعنون ب " علاقة الإسلام بالشرائع السماوية السابقة" ما يلي:
• أن يتعرف المتعلم على تكامل الشرائع السماوية وتدرجها في النزول.
• أن يبدي استعداده لاحترام كل الشرائع السماوية لأن ذلك من تمام إيمانه بالإسلام.
• أن يستنتج أهمية حرية العبادة والعقيدة في الدعوة إلى الإسلام.
إلى حدود الساعة نرى أن هذه الأهداف جميلة وتحقيقها يساهم في تكوين تلميذ متسامح مع محيطه ومع الآخر، لكن عندما ندخل في تفاصيل النصوص التي تضرب الأمثلة بها لتحقيق تلك الأهداف نفاجأ بنصوص تحمل قيما عكس القيم المستهدفة، فمثلا نجد في الدرس التطبيقي الأول المعنون "بالوثيقة العمرية" التي تبين كيف يجب التعامل مع المسيحين ما يلي:
" هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين، أهل (إلياء )من الأمان...أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم...وأنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم.. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية..."(1).
إذن، فالنص يتحدث في البداية عن احترام المسيحيين واحترام كنائسهم وصلبانهم وأن لا تهدم كنائسهم ثم يشترط هذا الاحترام بدفع الجزية ! أي إذا لم يعطوا الجزية التي عليهم فما سبق من احترام يبطل !، فعن أية جزية يتحدث النص؟ هل نحن في دولة إسلامية تفرض الجزية على أصحاب الديانات الأخرى ؟ فبحسب ما نعرف فالمغرب لا يفرض الجزية على اليهود المغاربة أو المسحيين، وليس في نيته تطبيقها مستقبلا، بل هو يشجب تعامل الدولة الإسلامية في الشرق (داعش) مع المسيحيين وما تفرضه عليهم من جزية. ولا يكتفي مقرر النص بهذا بل يطلب من التلميذ أن يستعين بالمعجم لبيان المقصود من كلمة "الجزية" في النص.
لابد أن التلميذ الذي يقرأ هذا النص سيتمثل المسيحي كمواطن ناقص المواطنة، عليه أن يؤدي الجزية إن أراد العيش بسلام في وطنه، وسيتساءل إن كانت الكنائس الموجودة في المغرب تدفع الجزية أم لا؟
وفي نص آخر من نفس المقرر يقيم صاحب النص مقارنة بين قيم وأخلاق المؤمن بالغيب وأخلاق غير المؤمن به، فيقول :" المؤمن بالغيب يجد نفسه إنسانا إيجابيا، يسعى إلى القيام بكل أعمال الخير وإرضاء خالقه...وتجده مخلصا في عمله، حريصا على الأمانة، متجنبا الخيانة لأنه يؤمن بالله. في حين تجد غير المؤمن بالغيب حريصا أكثر على الحياة، قلقا وحائرا، لأنه يعتقد أن الحياة تنتهي بانتهائه، فيفكر في مصالحه الخاصة بأنانية بالغة، ويستغل كل فرصة في الحياة لتحقيق رغباته وغرائزه... (2).
ماذا سيستنتج التلميذ من هذه المقارنة ؟ بالطبع سيستنتج أن كل مختلف عنه لا يؤمن بالغيب فهو شرير ليست له قيم وأناني ويستغل كل فرصة لتحقيق رغباته، سيكَون التلميذ صورة سلبية جدا عن أخيه في الإنسانية غير المؤمن بالله أو الغيب.
هذه بعض النماذج التي حرصنا على التنبيه إليها وإلى خطورتها، فالأمر ليس سهلا كما يبدو. وأضرب هنا مثالا شخصيا حصل معي: أتذكر في السنة الأولى ثانوي أنه كان مقررا علينا قراءة نص من نصوص الكاتب المصري المتشدد "سيد قطب" والنص مأخوذ من كتابه في ظلال القرآن، أتذكر أن الأستاذة كانت تمدحه بشدة، فقررت أن أطلب من والدي أن يشتري لي الكتاب (ظلال القرآن)، أعطيته العنوان لكن لحسن الحظ أنه وجد ثمنه فوق استطاعته. اليوم بعد أن قرأت مؤلفاته وأنا متشبع بأفكار وقيم التسامح أقول مع نفسي: ماذا لو قرأتها وأنا في ذلك السن الصغير ؟ ربما كنت غيرت الاتجاه نحو وجهة أخرى.
...
1 ــ في رحاب التربية الإسلامية، الجذوع المشتركة للتعليم الثانوي التأهيلي، الدار العالمية للكتاب. ص 16.
2 ــ نفسه، ص 25.

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث