logo
Back أنت هنا: الرأي الجدَل والسِجال بصدد أسلوب البروتوكول

الجدَل والسِجال بصدد أسلوب البروتوكول

madlaoui

عودة من جديد إلى أعراف البروتوكول: ما عسى أن يسهم به أسلوب الجدَل والسِجال؟

محمد المدلاوي

حالت ظروف عطلة سنوية قصيرة دون ظهور هذا النص في ظرفيته المناسبة باعتبار الزمن الصحفي. وهو على كل حال عبارة عن تذكير مع بعض التعقيبات. فقد سبق أن نشر في نفس هذا العمود سنة 2011 نص بعنوان "عن البروتوكول والرمزيات بصفة عامة". ومما جاء في ذلك النص ما يلي:

[[نظرا للتكامل بين الشكل والجوهر بصفة عامة، وفي ميدان السيميولوجيا بصفة خاصة، تبقى الرمزيات بابا من أبواب تمييز وإرساء وتثبيت الوظائف داخل المؤسسات: مؤسسة الدولة ككل، مؤسسة الجيش، مؤسسة الشرطة، مؤسسة الكنيسة وما يعادلها أو يقابلها، مؤسسة العدالة، مؤسسة الحزب، المؤسسة المقاولة، المؤسسة المدرسية أو الجامعية، مؤسسة البيت، الخ. ففي كل فضاء من هذه الفضاءات تكون هناك نظام من الشارات البلاستيكية-التشكيلية، وأخرى صوتية لغوية، وأخرى تتعلق بتوزيع المكان والزمان (فوق/تحت، أمام/خلف، يمين/شمال، قبل/بعد، أول/أخير)، وأخرى هيئية حركية (هندام، جلوس/وقوف، جلوس منضبط / اتّـكاء ولفّ ساق على ساق، مشي منضبط / اختيال، استقامة/ارتخاء/انحناء ...)، الخ. فلا يمكن مثلا لشرطي مرور، أو لإمام في مسجد، أو لقاض في محكمة، أو لمربّ في مدرسة، أن يؤدي وظيفته على ما يرام دون التزام منه، والتزام من محيطه، بالشارات الرمزية المحددة قانونيا أو عرفيا للوظائف]].

هذا بالنسبة للفضاء السوسيولوجي العام؛ [[أما في ما يتعلق بقمة هرم الدولة ككل، فهناك على الخصوص العلم الوطني، والنشيد الوطني، والشاراتية الوطنية (héraldique) والبروتوكول والتشريفات. هذه المؤسسات الرمزية الفرعية، تختلف الدول وتتفاوت في تشكيل صورها وفي مدى ضبطها بالتوثيق أو بمجرد تواتر عرف صارم، وذلك حسب العمق التاريخي ومن حيث العلاقة الثقافية بالتوثيق بكل مواضيعه وأشكاله. وقد سبق لي أن تناولت مسألة الرصيد الشاراتي المغربي الحالي (العلم، الأختام، الأوسمة، رمز المملكة) في دراسة صدرت سنة 2006 بأحد منشورات أكاديمية المملكة المغربية، متسائلا من خلالها عن بعض أسـس تلك الشارات في وسط لم تكن له تقاليد تشكيلية بلاستيكية، خصوصا وأنه قد كان هناك سنة 2000  مشروع ظهير أعدته اللجنة الاستشارية لمراقبة رموز وشعارات المملكة، ويقضي "بإحداث سلطة عليا لمراقبة الرموز والشعارات ووضع مدونة لرموز المملكة وشعاراتها". أما البروتوكول، فلست أدري ما إذا كانت هناك نصوص موثقة له في قسم التشريفات تؤرخ له وتقعّد أعرافه. غير أن ما أعرفه هو أن قسم البروتوكول في البيت الأبيض مثلا، بدولة لم تتأسس إلا سنة 1776، يتوفر على مدونة مضبوطة في هذا الباب. تلك المدونة هي التي اعتمدتها الأوساط الأمريكية اليمينية في حملة مؤاخذتها الرئيس باراك أوباما حينما انحنى يوم 14 نوفمبر 2009 بقماته ذات الستة أقدام، وبزاوية انحناء تشرف على 90 درجة، أمام أمبراطور اليابان، القصير القامة، والعظيم المكانة. ذلك أن تلك المدونة تنص على أن "الرئيس لا ينحني أمام أي أحد". لكن الرئيس أوباما، وبالرغم من كل رمزيات شخصه كإنسان، وباعتبار انحداره الإثني والثقافي، في علاقة كل ذلك بالنقاش الذي انطلق في أوساط السود بالولايات المتحدة حول مدى تمثيل أوباما فعلا لروح حركة "المطالبة بالحقوق المدنية" التي أسسها سلفه مارتن لوثر كينغ، وبالرغم مما كان يعرفه أوباما من تربصات اليمين الأمريكي المؤمن بالتفوق الأمريكي على العالمِين، لم يتردد مع ذلك - ولمّا يمض أكثر من سنة على انتخابه التاريخي (نوفمبر 2008) - في أداء آيات التوقير والاحترام اللازمة لمستضيفه، إمبراطور اليابان، الذي يسود ولا يحكم، وذلك بالطريقة التي يحددها بروتوكول البلد المستضيف]].

وبعد استعراض دلالات ووظائف وأشكال البروتوكول بصفة عامة في بعض الدول البارزة ذات الدلالة في الموضوع (الولايات المتحدة، اليابان، بريطاينا، إسبانيا، النرويج)، وبعد استعراض مقتضب لأشكال علامات وآيات الاحترام والتوقير في سيميولوجيا الثقافة المغربية بصفة عامة وبقطع النظر عن دائرة السياسة، انتهى النص المذكور بالخلاصة الآتية:

[[وخلاصة مغزى كل هذا الكلام، بالواضح لا بالمرموز، هي أن على المغاربة أن يضفوا اليوم حدا أدنى من التماسك على تصوراتهم، بما في ذلك، التماسك السيميولوجي بين جواهر الماهيات من جهة، وصور وأشكال ورموز تلك الماهيات من جهة ثانية. فإذا ما حصلت قناعة سياسية بوظيفة المؤسسة الملكية، وذلك في استحضار للحاضر بالذات، بكل ما يحبـل به، وبكل ما يخترقه داخليا وخارجيا، وفي استحضار لآفاق المستقبل على ضوء وهدي الرسم البياني للتجربة المشتركة لتلك المؤسسة مع بقية مكونات الأمة في العقدين الأخيرين، وليس باستحضار انتقائي للحظات من هذا العهد أو ذاك، وهي قناعة يبدوا من خلال مجمل الخطاب السياسي أنه قد حصل عليها اتفاق واسع بناء على التجربة، فإن وظيفة تلك المؤسسة تقتضي أن تكون هناك أوجه شاراتية معلومة لرمزية تبنّـيها، تمييزا لممثلها ولوظيفته، وتذكيرا مستمرا بالعقد الذي في أعناق الجميع. وإذ أشكال الرموز، لكي تفيد فعلا دلالاتها، لا تستورد لا من السعودية ولا من اليابان ولا من النرويج،(1) وإنما تُـنـقل أشكالها، في نفس المنظومة السوسيو-ثقافية، من الباب العام إلى الباب الخاص، فإن للمغرب قاموسَه الخاص في باب شارات التوقير والاحترام، وهو قاموس قابل للتنقيح والضبط، لكن انطلاقا من قواعد اللغة الرمزية الخاصة بالمغاربة]].

هذا القبيل من الدعوة إلى إعمال التفكير العقلاني والمعرفي في تناول مؤسسة من المؤسسات الفرعية مثل الشارات، والبروتوكول، وحفل الولاء، بدل تناولها من مجرد منطلقات سجالية سطحية، غوغائية ورافضية، من قبيل المطالبة بحق "تسراح السلسول"، هو ما انتهت إليه اليوم افتتاحية يومية "أخبار اليوم" (2 غشت 2014) في إطار مواكبتها لهذا الموضوع، الذي أصبح ثيمة صحفية/سياسية في السنوات الأخيرة، وذلك في صفحتها الأولى بمانشيطها الرئيسي الذي يقول: "الركوع في حفل الولاء يصمد رغم إجراءات التحديث والتخفيف".

فقد جاء في تلك الافتتاحية ما يلي: [السجال حول الموضوع، سياسيا وأنثروبولوجيا وسوسيولوجيا، مفيد رغم كل شيء؛ وهو جزء من النقاش العمومي حول سبل تحديث نظامنا السياسي حتى ينسجم مع ضرورات العصر ومنطقه (...). إنه جدل في السياسة والفكر والثقافة يجب أن يتطور في الدولة والمجتمع، وأن يكون جزءا من التطور المستمر للثقافة السياسية الحديثة التي لا تستبعد أي موضوع أو شخص أو عُرف من التفكير وإعادة التفكير].

غير أن تصور إعمال التفكير العلمي (علوم السياسة والسوسيولوجيا والسيميولوجيا والانثروبولوجيا الثقافية) الذي دعت إليه الافتتاحية تصور مغلوط كما يدل على ذلك مفهوم "السجال" أو"الجدل" الذي تم إدراج تلك المهمة الثقافية التاريخية في إطاره. فالجدل والسجال، بحُكم التصوّر، لا ينطلق من الموضوع لكي يشخّص معالمه وآلية اشتغاله وما قد يكون له من أوجه إشكالية على المستوى العملي البراغماتي، وإنما ينطلق مما يكون قد قال حول ذلك الموضوع خصمٌ من الخصوم تندرج الخصومة معه على مستويات تتجاوز الموضوع المعني في حد ذاته، فتـتمثل الغاية حينـئذ في مجرد "إسكات الخصم بما اتفق" كما يقول أصحاب الجدل. وهذا بالضبط ما يعكسه نموذجان مفارِقان مما ساقه ملف اليومية المذكورة (ص: 15)، من خلال استجواب سياسييـن وأكاديميين من أنثروبولوجيين وباحثين في العلوم السياسية، كنماذج لما اعتُبر إعمالا التفكير في مسألة البروتوكول الملكي المغربي. فهذا ["خبير في طقوس البروتوكول الملكي ودرسه علميا"] قد ["فضل عدم ذكر اسمه"] حسب اليومية، ليقدم تشخيصه "العلمي" المتمثل في أن ["كلا من الحصان والمظلة التي يستظل بها الملك خلال حفل الولاء مجرد طقوس مصطنعة شكلية، أما المشكل الكبير فيتمثل في الركوع"]، وذلك بعدما زرع نفس ذلك الخبير على الهامش "حقيقة علمية" أخرى في باب علم اللغة التاريخي المقارن للغة العربية، تتمثل في أن المعنى القديم الأول لكلمة "عرش" هو "مظلة" وليس "كرسي"! المفارقة هنا تتمثل في أن يقدّم خبير "تشخيصا علميا" ويفضل عدم ذكر اسمه، كما لو تعلق الأمر بتعليق لمسؤول سياسي أو ديبلوماسي.

أما مفارقة النموذج الثاني الذي أوردته اليومية فتـتمثل في "تحليل" منسوب إلى من تم تقديمه كـ"متخصص في العلوم السياسية"، وهو أكاديمي ينتمي في نفس الوقت إلى مدرسة سياسية انطلقت من أسس المادية التاريخية الماركسية، حيث قال: ["الركوع، سواء كان أمام حصان أو سيارة أو طائرة فإنه يبقى ركوعا"]. وعن ما أسمته اليومية بـ"الإجراءات التي اتخذت في السنتين الماضيتين لتخفيف العبء على المشاركين" (في حفل الولاء)، قال الخبير: ["الأمر محاولة لتجنب الانتقادات والانطباعات السلبية عن شكليات الحفل؛ ويبقى الإشكال الأساس في الركوع، الذي يحمل رمزية خاصة في ثقافتنا الإسلامية"، ممارسة قال الباحث المتخصص إنها تواجه انتقادات فقهية إسلامية لكون ["الركوع لا يكون إلا لله" بينما تؤدي تلك الممارسة وظيفة عتيقة تتمثل في الحفاظ على فكرة الخضوع التام والمطلق للملك"]. وهكذا، فأن لا يتردد أكاديمي ماركسي في استعمال حجة فقيه من طيف معيّن من أطياف الفرق والمذاهب الدينية المتناسلة، والعكس بالعكس، حسب المواقف والأهواء، لهُـوَ عينُ خُطة "إسكات الخصم بما اتفق" المعروفة كخطة عند اصحاب السجال والجدل (انظر كذلك الهامش-1 أسفله). وبذلك لن يعلم أبدا أيُّ قوم مشرَبَهم بما أن لا طرفَ يلتزم بالمنطق العقلي العام، ولا حتى بمجرد منطقه المذهبي الداخلي، في رسم معالم ما يراه وجها إشكاليا في موضوع مثل شارات ورموز حفل الولاء.

من المستعجل إذن تركُ الوقت للوقت، والتعامل في نفس الوقت مع معطيات الوقت، وذلك في انتظار انبثاق ذهنية أخرى لتناول مثل هذه الأمور بأساليب أخرى غير الجدل والسجال.

------------

(1)  الإشارة تحيل على قول المفكر الحداثي، الأستاذ أحمد عصيد "(الأيام الأسبوعية"؛ ع:01 أبريل 2011؛ ص:20) بأن ما يحز في نفسه شخصيا هو أن يَسمع - بعد ثلاث سنوات من واقعة الخروج الجماعي للأعضاء المعينين بالمجلس الإداري لمعهد الإركام عن البروتوكول سنة 2002 بالمغرب – ["أن ملك السعودية، بلد التشدد الوهابي والتقاليد العشائرية البدوية، قد أمر بإلغاء عادة تقبيل اليد في البلاط السعودي، معتبرا ذلك غريبا عن تقاليد العرب"]، وبأنه، أي الأستاذ عصيد، كان قد تمنى حينئذ، ["كما عبرت عن ذلك الصحافة، لو صدر هذا القرار عن ملك المغرب، الذي رفع منذ البداية شعار بناء 'مجتمع حداثي ديموقراطي' "]
المصدر: مدونة الأستاذ محمد المدلاوي، على الرابط الإلكتروني التالي:
http://orbinah.blog4ever.com/en-arabe-retour-sur-le-protocole-dallegeance-au-maroc#.U-pnqATuznc.facebook

 

أضف تعليق

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.


كود امني
تحديث